الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩وَهَذَا الرُّكْنُ يَحْتَوِي عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَبْوَابٍ ثَلَاثَةِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَهِيَ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الدُّنْيَا وَحَفَّهَا شَهَوَاتٍ وَمَلأَهَا آفَاتٍ وَأَسْكَنَهَا الثَّقَلَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَخَّرَ لَهُمْ كُلَّ مَا فِي بِلَادِهِ أَكْلاً وَانْتِفَاعًا وَلُبْسًا وَاسْتِمْتَاعًا لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَأَسْرَعُهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ قَبُولاً وَفِعْلاً وَامْتِثَالاً، ثُمَّ رَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولاً غَرِيزِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِكَمَالِهَا، وَيَتَمَيَّزُ بِهَا الإِنْسَانُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى اخْتِلافِ أَجْنَاسِهَا، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى أَصْلاً لِشَرِيعَتِهِ، وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا مُدَبِّرَةٌ بِوَاسِطَتِهِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَسَاوَى بَيْنَ أَهْلِهِ فِي التَّكْلِيفِ وَأَدَاءِ الْحَقِّ، وَجَعَلَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مَأْخُوذًا مِنْ وَاجِبٍ عَقْلِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَأْكِيدِهِ، وَمَسْمُوعًا مِنْ خِطَابِ نَقْلِي لا يَمْنَعُ الْعَقْلُ مِنْ جَوَازِهِ. وَلِذَلِكَ تَوَجَّهَ الْخِطَابُ إِلَى ذَوِي الأَلْبَابِ، وَبِهِ اسْتَوْجَبُوا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، إِذْ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَكْلِيفُ مَنِ انْعَرَى مِنَ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ تَكْلِيفُ الأَصَمِّ السَّمْعَ، وَتَكْلِيفُ الأَخْرَسِ النُّطْقَ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ إِهْمَالُ الْعَاقِلِ بِغَيْرِ تَكْلِيف؛ لأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِبَاحَةِ الشَّتْمِ لَهُ وَالافْتِرَاءِ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. فَكَيْفَ وَقَدْ نَزَّهَ الْجَلِيلُ له نَفْسَهُ عَنْ هَذِهِ الصَّفَةِ فَقَالَ: {أَفَصَبْتُمْ (1) الْحَاصِلُ عِنْدَ الْبُلُوغ وَإِلا فَالكَمَالُ لاَ يَحْصُلُ إِلا عِنْدَ الأَرْبَعِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسَى وَيَحْيَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (ولما بلغ أشده) (القصص: 14)، أيْ: بَلَغَ الْأَرْبَعِينَ اهَ الْمُحَشِّي بِاخْتِصَارِ. [والمحشي: هو أبو ستة، وقد سبق التعريف به في مقدمة المصحح].