قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

- وَبِعِبَارَةٍ أَدَقَّ - الدَّمَ يَأْتِي الْمَرْأَةَ مَعَ وُجُودِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِهَا كَمَا يَقُولُ الأَطِيَّاءُ، لَكِنَّ الأَطِيَّاءَ يَنظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ الدَّم بالنَّظَرِ الطَّبيعي لا بالنَّظَرِ الشَّرْعِيّ، بدليل أَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، بَلْ يَرَوْنَهُمَا كِلَيْهِمَا مِنَ الدَّمِ الصَّالِحِ الَّذِي يَجْرِي فِي شَرَابِينِ الْمَرْأَةِ، بِخِلَافِ الشَّارِعِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ الدَّمِ بِالنَّظَرِ الشَّرْعِي، فَيُسْتُهُ أَوْ يَنْفِيهِ شَرْعِيًّا، يَعْنِي: يَعْتَبِرُهُ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ لا دَمَ حَيْضِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا يُقَرِّرُهُ الشَّرْعُ، وَعَلَيْهِ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ الْحَلَّ لِمُشْكِلِ النِّسَاءِ وَخَلْفِهِنَّ فِي أَمْرِ طَهَارَتِهِنَّ، وَقَدْ أَضَلَّهُنَّ تَشَبُّئُهُنَّ بِأَسْطُورَةٍ الرَّاقِدِ ضَرْبِ الْجَنِينِ فِي الْبَطْنِ، فَلِمُجَرَّدِ أَنْ تُحِسَّ إِحْدَاهُنَّ ألَمًا أَوْ حَرَكَةً فِي بَطْنِهَا وَقَدْ يَكُونُ الأَلَمُ مِنْ قرحَةِ، وَالْحَرَكَةُ نَبْضَ عِرْقٍ أَوْ تَكَبَدَ دَمٍ، أَوْ مُجَرَّدَ رِيحٍ يَنتَقِلُ مِنْ جِهَةِ الْبَطْنِ إِلَى أُخْرَى وَتُحِسُّهُ كَمَا تُحِسُّ حَرَكَةَ الْجَنِينِ تَمَامًا - سِيَّمَا اللَّاتِي يَتَعَلَّقْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ الرَّاغِبِينَ فِي النَّسْلِ - فَإِنَّ الْوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ يَرُوقُهَا أَنْ تَعْتَبِرَ حَيْضَهَا اسْتِحَاضَةً لِمُجَرَّدِ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقَتِهِ الْمُعْتَادِ، فَتُصَلَّي وَتَصُومُ وَيُبَاشِرُهَا زَوْجُهَا مَتَى جَاءَهَا مُتَوَهَّمَةٌ أَنَّهَا حَامِلِ، وَلَا حَيْضَ مَعَ حَبَلِ، وَلَرُبَّمَا مَضَتْ عَلَيْهَا سِنُونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكُلَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهَا أَجَابَتْ أَنَّ لَدَيْهَا رَاقِدًا فِي بَطْنِهَا، نَاهِيكَ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَامَ بِنَفَقَتِهَا مُدَّةٌ، حَتَّى إِذَا مَا طَالَ أَمَدُ وِلَادَةِ الْجَنِينِ الْمُسْتَغْرقِ فِي نَوْمِهِ أَمْسَكَ عَنِ الإِنْفَاقِ، فَنَاصَبَتْهُ الْخُصُومَةَ بِدَعْوَى أَنَّهَا حَامِلٌ تَسْتَحِقُ النَّفَقَةَ، فَيُضْطَرُّ لِمُرَاجَعَتِهَا حَسْمًا لِلنَّزَاعِ، وَتَظَلُّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِصْمَتِهِ سِنِينَ أُخْرَى لَمْ تَتْرُكُ أَثْنَاءَهَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامًا وَلَا افْتِرَابًا مِنْ زَوْجِهَا، وَلاَ أَبْصَرَ الْمَوْلُودُ الْمُنتَظَرُ ضِيَاءَ الْحَيَاةِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَاصْطَدَمَتْ بِصَخْرَةِ الْمِيرَاتِ، فَإِذَا هِيَ حَائِلٌ لا حَامِلٌ إِذَاءَ هَذَا الْوَضْعِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَلَا يُقِرُّهُ الْعِلْمُ وَلَا الْوَاقِعُ يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي - وَهُوَ طَبِيبُ الْأَدْيَانِ – أَنْ يَقِفَ مَوْقِفًا حَكِيمًا لا يُصَادِمُ نَضًا ثَبَتَ عَنِ الشَّارِعِ مِنْ جِهَةٍ، وَلاَ يَسْتَسْلِمُ لِوَسْوَاسِ الْمُوَسْوَسَاتِ أَوْ هَوَسٍ الْمُتَهَوِّسَاتِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَا دَامَ لَدَيْنَا مِنَ الْوَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَا يَكْشِفَ لَنَا عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نُجْرِيَ أَمْرَنَا عَلَى طَرِيقَةٍ عِلْمِيَّةٍ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا النَّفْسُ وَيَثْلِجُ لَهَا الصَّدْرُ، ذَلِكَ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى حَالَاتِ الْمَرْأَةِ الْمُخْتَلِفَةِ فَإِذَا هِيَ: 1 - إِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ قَبْلَ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِالْحَمْلِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُعْطِي لِلْحَيْضِ – سِيَّمَا إِذَا رَأَتْهُ فِي مُعْتَادِهَا اسْتِصْحَابًا لِلأَصْلِ - وَلاَ يَسُوعُ لَهَا أَنْ تُلْغِيَهُ لِمُجَرَّدِ أَنْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، أَوِ اعْتَرَاهَا شَكٍّ أَنَّهَا حَامِلٌ، فَإِذَا طَالَتْ بِهَا هَذِهِ الْحَالَةُ فَلاَ تَسْتَسْلِمُ لِلْوَسْوَاسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَعْرِضَ

نَفْسَهَا عَلَى طَبِيبٍ إِمَّا أَنْ يُثْبِتَ وُجُودُ الْحَمْلِ وَإِمَّا أَنْ يَنْفِيَهُ، ثُمَّ تَعْمَلُ بِمُقْتَضَى نَظَرِ الطَّبِيبِ. 2 - وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنَ الْحَمْلِ، وَسَوَاء تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ بِالطَّبِيبِ، أَوْ بِالْأَمِينَاتِ الْعَارِفَاتِ، أَوْ بِنُمُوهِ نُمُوا طَبِيعِيًّا، فَإِنَّهَا تَعْتَبِرُ الدَّمَ حِينَئِذٍ دَمَ اسْتِحَاضَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ حَيْضًا مَعَ حَبَل". وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَهَا الدَّمُ بَعْدَ مُضِي سَنَةٍ بَيْضَاءَ قَمَرِيَّةٍ: 354 يَوْمًا عَلَى حَمْلِهَا الْمَزْعُومِ تَمَسُّكًا بِأَسْطُورَةِ الرَّاقِدِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُعْطِي لِلْحَيْضِ قَوْلاً وَاحِدًا، وَلاَ هَوَادَةَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ يَنْفِي