قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ وَأَقْسَامِهَا وَفَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الرُّكْنَ يَنْحَصِرُ فِي مُقَدِّمَةٍ وَثَلاثِ جُمَلٍ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ أَقْسَامِ الصَّلَاةِ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَمُتَطَوَّعِهَا مِنَ الْفَضَائِلِ

وَالْمُسْتَحَيَّاتِ.

اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ عِبَادِهِ – بَعْدَ أَحْكَامٍ مَعْرِفَتِهِ وَتَصْدِيقِ أَنْبِيَائِهِ - عِبَادَاتِ الأَبْدَانِ، وَقَدَّمَهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ وَاجِبِ الْحُقُوقِ فِي الأَمْوَالِ؛ لأَنَّ النُّفُوسَ عَلَى الأَمْوَالِ أَشَحُ، وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ أَسْمَحُ، ثُمَّ قَدَّمَ فَرْضَ الصَّلَاةِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ أَسْهَلُ فِعْلَا وَأَيْسَرُهُ عَمَلاً، جَعَلَهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى خُضُوع لَهُ رَهْبَةٌ مِنْ سَطْوَتِهِ وَعِقَابِهِ، وَمُتَضَمِّنَةٌ عَلَى تَضَرُّعِ وَابْتِهَالٍ إِلَيْهِ رَغْبَةٌ فِي ثَوَابِهِ وَفَضْلِهِ، بَعْدَ أَنْ شَرَعَ لَنَا شُرُوطًا لَأَزِمَةٌ مِنْ رَفْعَ الأحْدَاثِ وَإِزَالَةِ الأَنْجَاسِ، لِيَسْتَدِيمَ الْعَبْدُ النَّظَافَةَ لِلقَاءِ رَبِّهِ، وَالطَّهَارَةَ لأَدَاءِ فَرْضِهِ، ثُمَّ ضَمَّنَهَا تِلاوَةَ كِتَابِهِ الْمُنَزَّلِ لِيَتَدَبَّرَ مَا فِيهِ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَيَعْتَبِرَ بِإِعْجَازِ لَفْظِهِ وَمَعَانِيهِ، ثُمَّ عَلَّقَهَا بِأَوْقَاتٍ لاَزِمَةٍ وَأَزْمَانٍ مُتَرَادِفَةٍ، لِيَكُونَ تَرَادُفُ أَزْمَانِهَا وَتَتابعُ أَوْقَاتِهَا سَبَبًا لاسْتِدَامَةِ الْخُضوعِ لَهُ وَالابْتِهَالِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَا تَنْقَطِعَ الرَّهْبَةُ مِنْ عِقَابِهِ وَلَا الرَّغْبَةُ فِي ثَوَابِهِ، فَإِذَا لَمْ تَنْقَطِعِ الرَّهْبَةُ وَلَا الرَّغْبَةُ مِنْ قُلُوبِ الْخَلِيقَةِ أَذْعَنَتْ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَذَلَّتْ وَاسْتَقَامَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ وَصَلُحَتْ، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ يَكُونُ اسْتِيفَاءُ الْفُرُوضِ عَلَى الْكَمَالِ، أَوِ التَّقْصِيرُ فِيهَا عَنْ حَالِ الْجَوَازِ، كَمَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ أَنَّهُ قَالَ: "الصَّلَاةُ مِكْيَالٌ، فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ