الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥م الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا
الرُّكْنُ الثَّالِثُ
فِي فَرْضِ الزَّكَاةِ وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْسَامِ وَالْأَبْوَابِ
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ شَرَعَ الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ، وَجَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا لِلْفُقَرَاءِ، حِكْمَةٌ أَلَّفَ بِهَا بَيْنَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، لِتَثْبُتَ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ ذَوِي الْفَاقَةِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي أَقْطَارِ الْبِلادِ، وَيَقَعَ مِنْهُمُ التَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى الْحَقِّ وَسَبِيلِ الرَّشَادِ؛ لأَنَّ الرَّاجِيَ لِغَيْرِهِ هَائِبٌ لَهُ مَوْصُولٌ، وَالْمَرْجُو مَا لَدَيْهِ مَهِيبٌ مَوْصُولٌ، إِذْ لَوِ انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الْفُقَرَاءِ مِنْ ذَوِي الأَمْوَالِ لَسَقَطَتْ بِذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَيْبَةُ الإِجْلَالِ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ أَجْلِهِ التَّبَاغُضُ وَالتَّنَافُرُ، وَاسْتَحْكَمَ فِيهِمُ التَّقَاطِعُ وَالتَّدَابُرُ، فَيَؤُولُ ذَلِكَ إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا وَانْقِطَاعِ سُكَانِهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّكَاةَ ذَرِيعَةٌ إِلَى تَوَاصُلِ الأَنَامِ، وَتَطْهِيرًا لِلْقُلُوبِ مِنْ رَيْنِ الآثَامِ، وَتَكْفِيرًا لِلذُّنُوبِ وَالإِجْرَامِ، وَمَثْرَاةٌ لِلأَمْوَالِ، وَتَضْعِيفًا لِلْحَسَنَاتِ غَدًا فِي الْمَآلِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} ()، فَأَنْزَلَ اللهُ فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي الْمَدِينَةِ مُجْمَلاً، فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ بِحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَأَوْضَحَهَا بِرُسُومِهَا وَمَعَالِمِهَا، وَجَعَلَهَا مَشْرُوعَةٌ رُوعَةٌ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: زَكَاةُ الأَنْعَامِ، وَالثَّانِي: زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالثَّمَارِ، وَالثَّالِثُ: زَكَاةُ التَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالرَّابِعُ: زَكَاةُ التِّجَارَةِ الْمُتَّخَذَةِ لِلنَّمَاءِ
(1) التَّوْبَة: (103).