قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٦

الْخَرْصَ فِي النَّخِيل دُونَ غَيْرِهِ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْخَرْصُ الْيَوْمَ بِدْعَةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ إِلَى إِبْطَالِهِ، وَأَنَّ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُشْرَ مَا تَحَصَّلَ فِي يَدِهِ زَادَ الْخَرْصُ أَمْ نَقَصَ.

وَسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ فِي جَوَازِهِمُ الْخَرْصَ: مُعَارَضَةُ الأُصُولِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ بِإِجَازَتِهِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِي اجْتَازَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ: اخْرُصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقِ خَرْصًا يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى الْيَهُودِ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخِيلَ حِينَ يَطِيبُ.

وَأَمَّا الأُصُولُ الْمُعَارِضَةُ لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ فَهُوَ أَنَّ الْخَرْصَ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَهُوَ بَيْعُ التَمْرِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخِيل بِالتَّمْرِ كَيْلاً؛ وَلَأَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْخَرْصَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْيَهُودِ، وَهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ زَكَاةٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْمِينًا لِيَعْلَمَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(1) [رواه البخاري، باب خرص التمر، ر 1411]. وَالْخَرصُ: هُوَ الْحَزَرُ وَالتَّحْمِينُ، وَذَلِكَ إِذَا زَهَي النَّخِيلُ وَالأَعْنَابُ وَبَدَا صَلاحُهَا اعْتُبِرَ تَقْدِيرُ النِّصَابِ فِيهَا بِالْخَرص دُونَ الْكَيْلِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحْصِيَ الْخَارِصُ الأَمِينُ الْعَارِفُ مَا عَلَى النَّخِيلَ وَالأَعْنَابِ مِنَ الْعِنَبِ وَالرُّطَبَ، ثُمَّ يُقَدِّرُهُ تَمْرًا وَزَبِيبًا لِيَعْرِفَ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ فِيهِ، فَإِذَا جَفَّتِ الثَّمَارُ أَخَذُ الزَّكَاةَ الَّتِي سَبَقَ تَقْدِيرُهَا فِيهَا، وَلَيْسَ الْخَرِصُ ظَنَّا وَتَحْمِينًا لا يَلْزَمُ بِهِ خَكْمْ كَمَا تَقُولُهُ الأَحْنَافُ، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ التَّمْرِ، كَالاجْتِهَادِ فِي تَقْويمِ الْمُثْلَفَاتِ. وَسَبَبُ الْخَرِصِ: أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَكُلِّ الثَّمَارِ رُطَبًا، فَكَانَ مِنَ الضَّرُورِي إِحْصَاءُ الزَّكَاةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ وَتُصْرَمَ، وَمِنْ أَجْلٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ أَرْبَابُهَا بِمَا شَاؤُوا وَيَضْمَنُوا مِقْدَارَ الزَّكَاةِ. وَفَائِدَتُهُ: أَمْنُ الْخِيَانَةِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ، وَضَبْطُ حَقِّ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَالِكِ، وَمُطَالَبَةُ الْمُصَدِّقِ بِقَدْرِ مَا خَرَصَةُ، وَانْتِفَاعُ الْمَالِكِ بِالأَكْلِ. وَصِفَةُ الْخَرِصِ: أَنْ يَطُوفَ بِالشَّجَرَةِ وَيَرَى جَمِيعَ ثَمَرَتِهَا وَيَقُولُ: خَرِصُهَا كَذَا وَكَذَا رُطَبًا، وَيَجِيءُ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا يَابِسًا.