الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٢وَاخْتَلَفُوا إِذَا نَذَرَ الصَّمْتَ فِي اعْتِكَافِهِ، فَقِيلَ: يَتَكَلَّمُ بِلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي: لَيْسَ فِي الاعْتِكَافِ صَمْتُ (1)، وَقِيلَ: إِنْ رَأَى فِيهِ السَّلَامَةَ فَعَلَ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لا يَلْزَمُهُ نَذْرٌ؛ لأَنَّ الْكَلامَ بِالْحَقِّ أَفْضَلُ مِنَ السُّكُوتِ، وَالْقَوْلُ الْبَاطِلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ الْمُعْتَكِفُ وَغَيْرُهُ، وَبَعْضُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ أَوْ مِسْكِينَيْنِ إِنْ تَكَلَّمَ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَجُلا نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلاَ يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَظِلَّ وَيَتَكَلَّمَ وَيَجْلِسَ وَيُتِمَّ صَوْمَهُ (3)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُعْتَكِفِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ فِعْلَ شَيْءٍ وَيَمْنَعَهُ الاعْتِكَافُ مِثْلَ حُضُورٍ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ شَرْطَهُ لَا يَنْفَعُ، وَأَنَّهُ إِنْ فَعَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَتَى يَنْقَطِعُ اعْتِكَافُهُ؟ فَقِيلَ: يَنتَقِضُ عِنْدَ أَوَّلِ خُرُوجِهِ، وَبَعْضُ رَخَّصَ فِي السَّاعَةِ، وَآخَرُونَ فِي الْيَوْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إِذَا قَطَعَ الْمُتَطَوِّعُ اعْتِكَافَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ
الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفُ، وَاعْتَكَفَ فِي شَوَّالَ (3).
(1) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لا يُتِمُ بَعْدَ احْتِلاَمِ وَلَا صُمَاتٍ يَوْمٌ إِلَى اللَّيْلِ" رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ.
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَن ابْنِ عَبَّاس. (2) وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَقطَعَ اعْتِكَافَهُ الْمُسْتَحَبَّ مَتَى شَاءَ، وَقَدْ ذَكَرَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ السَّبَبَ الَّذِي حَمَلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قَطع اعْتِكَافِهِ أَوَاخِرَ رَمَضَانَ، وَقَضَاهُ فِي شَوَّالَ، فَقَالَتْ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ وَدَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَأَنَّهُ أَرَادَ مَرَّةً أ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَمَرْتُ بِبِنَائِي فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِنَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ نَظَرَ إِلَى الأَبْيَةِ، فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ الْبِرَّ تُرِدْنَ؟ قَالَ: "فَأَمَرَ بِبِنَائِهِ فَقُوِّضَ، وَأَمَرَ أَزْوَاجَهُ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَقُوضَتْ، ثُمَّ أَخَرَ الاعْتِكَافَ إِلَى الْعَشْرِ الْأُوَّلِ يَعْنِي مِنْ شَوَّالَ".