الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٥الرُّكْنُ الْخَامِسُ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْعُمْرَةِ وَالسَّادِسُ فِي الْحَجّ
إِذْ هُمَا فَرْضَانِ عَلَى الْعَبْدِ مَأْمُورٌ بِإِثْمَامِهِمَا إِلَّا أَنَّ الْعُمْرَةَ قَدِ انْدَرَجَتْ تَحْتَ الْحَجِّ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهَا).
اعْلَمْ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عَلَى الْمُسْتَطِيعِينَ مِنَ الْعِبَادِ، فَكَانَ فِي السَّفَرِ إِلَيْهِمَا تَذْكِرَةٌ لِسَفَرِ الْآخِرَةِ وَأَهْوَالِ الْمَعَادِ إِذِ الْخَارِجُ إِلَيْهِمَا مُنْخَلِعُ عَنِ الأَهْلِ وَالأَوْلادِ، قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ تَوْبَةٍ وَأَحْكَام وَصِيَّتِهِ، وَكَانَ رُكُوبُهُ لِلرَّاحِلَةِ مَثَلاً لِرُكُوبِهِ نَعْشَ الْجَنَازَةِ، وَدُخُولُهُ الْبَادِيَةَ وَقَطَعُهُ عَقَبَاتِهَا إِلَى الْمِيقَاتِ تَذْكِرَةٌ لِلْخُرُوج مِنَ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ إِلَى مِيقَاتِ الْقِيَامَةِ وَمُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَهْوَالِ وَالْمُطَالبَاتِ، فَكَانَ انْفِرَادُهُ عَنِ الأَهْل فِي الْبَرِّ وَمَا يُكَابِدُهُ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَسِبَاعِهِ مَثَلاً لِخَلْوَتِهِ فِي الْقَبْرِ مَعَ دِيدَانِهِ وَأَفَاعِيهِ، وَكَانَ الْتِفَافُهُ لِتَوْبَي إِحْرَامِهِ مُخَالِفًا لِزِيَّهِ وَهَيْئَةِ لِبَاسِهِ تَذْكِرَةٌ لِثِيَابِ الْكَفَنِ وَقُدُومِهِ عَلَى رَبِّهِ بِزِيٍّ مُخَالِفٍ لِزِيٍّ (1) أَجَلُ الْعُمْرَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي دَاخِلَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلِذَلِكَ شَقَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ حِينَ قَالَ لَهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اجْعَلُوهَا عُمْرَةً، أَمَرَ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي. قَالَ طَاوُسُ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرَ الْفُجُورِ، وَيَقُولُونَ: إِذَا انْفَسَخَ صَفَرٌ، وَبَرَأَ الدُّبُرُ، وَعَفَا الأَثَرُ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ، أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَدَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، اهـ مُصَححه.