قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٦

قواعد الإسـ

الدُّنْيَا، إِذْ كِلاهُمَا غَيْرُ مَخِيطَيْنِ مَلْفُوفٌ فِيهِمَا الْعَبْدُ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، وَكَانَ تَلْبِيتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى عِنْدَ الْمِيقَاتِ تَذْكِرَةً لإِجَابَةِ الدَّاعِي مِنَ الْأَجْدَاثِ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَكَانَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَثَلاً لِقِيَامِهِ مِنَ الْقَبْرِ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُهُ مَعَ النَّاسِ ذَاهِلَ الْعَقْلِ عَارِيَ الْبَدَنِ مِنَ اللَّبَاسِ، فَكَانَ انْصِبَابُهُ إِلَى مَكَّةَ مَعَ جُمْلَةِ الزَّائِرِينَ مَثَلاً لانْصِبَابِ النَّاسِ فِي الْقِيَامَةِ إِلَى جِهَةِ الْجَنَّةِ آمِلِينَ فِي دُخُولِهَا، فَكَانَ دُخُولُهُ إِلَى الْبَيْتِ وَتَعَلَّقُهُ بِأَسْتَارِهِ مَيْلاً لِحَضْرَةِ الْمَلِكِ يَقْصِدُهُ الزُّوَّارُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَأَوْبِ سَحِيقٍ شُعْنًا غُبْرًا مُتَوَاضِعِينَ لِرَبِّ الْبَيْتِ خُضُوعًا لِجَلَالِهِ وَاسْتِكَانَةٌ لِعِزَّتِهِ، فَكَانَ وُقُوفُهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ جُمْلَةِ الْحَجِيجِ، وَارْتِفَاعُ أَصْوَاتِهِمْ بِالْبُكَاءِ وَالضَّجِيحِ، وَاتَّبَاعُ الْفِرَقِ أَئِمَّتَهُمْ فِي التَّرَدُّدَاتِ عَلَى الْمَشَاعِرِ اقْتِدَاءٌ بِهِمْ فِي امْتِثَالِ الْمَنَاسِكِ مَثَلاً لِلْوُقُوفِ عَلَى عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَافْتِدَاءِ كُلِّ أُمَّةٍ بِنَبِيِّهَا طَمَعًا مِنْهُمْ إِلَيْهِ فِي الشَّفَاعَةِ، وَانْدِفَاعُهُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ مُنْقَسِمِينَ إِلَى مَرْدُودِينَ وَمَقْبُولِينَ مَثَلاً لانْقِسَامِ الْخَلْقِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى مَحْرُومِينَ وَمَرْحُومِينَ، وَلَكِنَّ الْكَرَمَ مِنَ اللَّهِ مِيمٌ، وَشَرَفَ الْبَيْتِ عَظِيمٌ، وَحَقَّ الزَّائِرِينَ مَرْعِيُّ، وَذِمَامَ الْمُسْتَجِيرِينَ غَيْرُ مُضَيَّعِ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هِمَمُهُمْ، وَتَجَرَّدَتْ لِلضَّرَاعَةِ وَالابْتِهَالِ قُلُوبُهُمْ، وَارْتَفَعَتْ إِلَى اللهِ أَيْدِيهِمْ، وَامْتَدَّتْ رِقَابُهُمْ، وَشَخِصَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ أَبْصَارُهُمْ مُجْتَمِعِينَ عَلَى طَلَبِ الرَّحْمَةِ مِنْ مَوْلاهُمْ فَلا تَظُنَنَّ أَنَّهُ يُخَيِّبُ أَمَلَهُمْ وَيُضَيِّعُ سَعْيَهُمْ، مَعَ اجْتِمَاعِ الْهِمَمِ وَالاسْتِظْهَارِ بِالأَوْلِيَاء مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ فِي وَقْتِ وَاحِدٍ وَصَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ قِيلَ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَظَنَّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ أنقى، وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ

(1) البقرة: (203).