الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٥وَذُكِرَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي
الأُذُنِ وَالْعَيْنِ، فَقَالَ: " مَا كَرِهْتَ فَدَعْهُ وَلَا تُحَرِّمُهُ عَلَى غَيْرِكَ " (1)، وَعَارَضَ هَذَا حَدِيثُ عَلِيٌّ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الأُذُنَ وَالْعَيْنَ، وَلَا نُضَحِّي بِشَرْقَاءَ، وَلاَ خَرْقَاءَ، وَلاَ مُدَابِرَةٌ، وَلَا بَتْرَاءَ " (2). فَالشَّرْقَاءُ: الْمَشْقُوقَةُ الأُذُنِ، وَالْخَرْقَاءُ: الْمَثْقُوبَةُ الأُذُنِ، وَالْمُدَابِرَةُ: الَّتِي يُقْطَعُ مِنْ جَنْبَي
أُذُنِهَا مِنْ خَلْفٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ الْقَرْنِ، فَقِيلَ: يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُؤْمِي، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ الْمَرَضِ؛ لأَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ، وَقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنِ الْأَعْضَبِ وَالْعَصْبَاءِ، فَقِيلَ: هُوَ مَكْسُورُ الْقَرْنِ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْطُوعُ الْأُذُنِ، فَمَنْ رَبَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ: لَا تُتَّقَى إِلا الْعُيُوبُ الأَرْبَعَةُ وَمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٌّ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَحَمَلَ حَدِيثَ عَلِيٌّ عَلَى الْكَثِيرِ الَّذِي هُوَ عَيْبٌ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرُوا التَّحْدِيدَ فِيمَا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ مِمَّا يَذْهَبُ مِنْ هَذِهِ الأَعْضَاءِ، فَاعْتبر بَعْضُهُمُ الثَّلُثَ، وَبَعْضُهُمُ الأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي ذَهَابِ الأَسْنَانِ وَاللَّذِي.
(1) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بِلَفْظِ: "أَكْرَهُ النَّقْصَ فِي الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ" … الْحَدِيثِ. وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْبَسِيرَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ بَيْنِ لَا يُتَّقَى. (1) رَوَاهُ البخاري وأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِحَذْفِ أَنْ لا يُضَحُيَ". وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحْحَهُ التَّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلى أَنَّهُ قَالَ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحُيَ بِعَوْرَاء وَلا مُقَابِلَةٍ، وَلاَ مُدَابِرَةٍ، وَلا حَرْفَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ وَمَعْنَى "نَسْتَشْرِفَ نَتَأَمَّل سَلامَتَهُمَا مِنْ آفَةٍ تَكُونُ بِهِمَا، "الْخَرْقَاهُ": الَّتِي فِي أُذُنِهَا ثَقْبٌ مُسْتَدِيرَةٌ، وَ الثَّرْمَاءُ": سَقَطَتْ ثَنِيَّتُهَا.