قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٠

قواع

(1) (كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ)

لَقَدْ أَعْطَى الْمُصَنِّفُ الله رُكْنَ الأدب حَقَّهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالتَّفْصِيل مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِم أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ وَيَسِيرَ فِي سَبِيلِهِ كَيْ يَعِيشَ حَيَانَهُ سَعِيدًا مُحْتَرَمًا وَعَزِيزًا مُكَرَّمًا، وَهُوَ جَدُّ بَدِيعِ بِالنِّسْبَةِ لَظُرُوفِ عَصْرِهِ، بَيْدَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الآدَابِ تَخْضَعُ لِنَامُوسِ التَّطَوُّرِ أَمَامَ مَا وَرَدَ فِي شَأْنِ بَعْضِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَلِمُجَرَّدِ الإِرْشَادِ وَلَيْسَتْ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الْقَارَّةِ الَّتِي لَا تَتَنَاوَلُهَا سُنَّةُ التَّطَوُّرِ، فَخُذْ لَكَ مَثَلاً آدَابَ الطَّعَامِ إِنَّ آدَابَ الطَّعَامِ مَوْقُوفٌ غَالِبُهَا عَلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ تَبَعًا لِطَابَعٍ زَمَانِهَا مِنْ رَخَاءِ وَضِيقٍ، وَتَبَعًا لِسَمَاحَةِ الْمُصِيفِ وَسَخَائِهِ، لِذَلِكَ نَجِدُ طَائِفَةٌ مِنَ الآدَابِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ عَمَ الله مُكَيَّفَةً وَمَطْبُوعَةٌ بِطَابَعِ عَصْرِهِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّقَشُّفُ وَضِيقُ الْعَيْشِ وَخُشُونَتُهُ، فَمَا عَلَى الْعَاقِلِ اللَّبِيبِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِأَدَبِ الدِّينِ إِلَّا أَنْ يُرَاعِيَ الظُّرُوفَ وَحَالَ الْمُضِيفِ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَى النُّفُوسِ وَمَا يَخْفَى، وَبِعِبَارَةِ أَجْمَلَ: أَنْ يُرَاعِيَ مَا يُلائِمُ حَالَ عَصْرِهِ وَعُرْفَهُ وَمَا لاَ يُلائِمُ - حَاشَا مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ – فَإِذَا فِي طَرِيقِ لَا تَتَعَارَضُ وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ مَبَادِئُ الدِّينِ، وَقَدِيمًا قِيلَ: إِمَّا نَعِيمَهَا وَإِمَّا بُؤْسَهَا

وَالْبَسْ لِكُلِّ حَالَةٍ لِبُوسَهَا عَلَى أَنَّ هُنَاكَ حَالَاتٍ - وَنَحْنُ فِي عَصْرِ الرَّخَاءِ - تَدْعُو إِلَيْهَا الضَّرُورَةُ فَيُغْتَفَرُ الْتِزَامُهَا نُزُولاً عَلَى حُكْم سِيَاسَةِ التَّقَسُّفِ، لَكِنَّ مَزَاجَ الْعُصُورِ الَّتِي أَفَاضَ اللهُ فِيهَا عَلَى عِبَادِهِ خَيْرَاتِهِ لَا يَسْتَسِيعُهَا، بَلْ يَرَاهَا لِلرَّخَاءِ مُنَافِيَةٌ لِقَانُونِ الصَّحَّةِ وَآدَابِ اللَّيَاقَةِ، كَغَسْلِ الْقَصْعَةِ بَعْدَ لَعْقِهَا وَشُرْبِ مَائِهَا، وَكَاعْتِبَارِ أَكْل أَحَدِ الرَّفِيقَيْنِ مِنْ مَائِدَةٍ مُشْتَرَكَةٍ أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبِهِ حَرَامًا، فَيَالَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَسْتَوِيَانِ حَاجَةٌ وَشَهِيَّةٌ حَتَّى يَسْتَوِيَا أَكْلا؟ فَمَا الدَّاعِي لِهَذِهِ الْمُضَايَقَةِ وَالتَّحْرِيمِ؟ وَهَلْ أُعِدَّتِ الْمَوَائِدُ إِلَّا لِيَأْخُذَ كُلَّ مِنْهَا حَاجَتَهُ؟! نَحْنُ نَعْلَمُ - وَهَذِهِ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ - أَنَّ مِنَ الْمُضِيفِينَ الأَسْخِيَاءِ مَنْ يَبْتَهِجُ لِلإِقْبَالِ عَلَى طَعَامِهِ، وَلاَ يَرَى فِي ذَلِكَ غَضَاضَةٌ أَوْ هَضْمَا لِحَقِّ الضَّيَافَةِ، بَلْ يَرَاهُ تَشْرِيفًا لِلْمَطْبَحَ عَلَى حَدَّ تَعْبِيرِ بَعْضِ الأُمَمِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْآدَابِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ مِمَّا يَخْضَعُ لِلظُّرُوفِ وَالأَحْوَالِ، وَيَتَكَيَّفُ بِالْأَعْرَافِ وَالْمِيثَاتِ، وَيَتَحَكُمُ فِيهَا الذَّوْقُ وَاللَّيَاقَهُ، وَمِنْهَا مَا يُسْتَحْسَنُ فِي أَوْسَاطٍ، وَيُسْتَقْبَحُ فِي أُخْرَى فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، فَلَيْسَتْ إِذَنْ بِعِبَادَاتٍ مَفْرُوضَةٍ قَارَّةٍ مَدَى الأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ حَتَّى لَا تُتَنَاوَلَ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ أَوْ بِالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ، وَعَلَيْهِ فَالتَّقَيُّدُ بِمَا سَارَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْخَلَفِ مَا دَامَتْ مَعِيشَتُهَا مُخْتَلِفَةٌ، أَمَّا مَا يَجِبُ الْتِرَامُهُ وَعَدَمُ الْحَيْدِ عَنْهُ فَهُوَ مَا قَرَّرَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ كَفَوَانِينَ عَامَّةٍ تُلائِمُ كُلَّ عَصْرِ وَكُلَّ مِصْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا (المؤمنون: ((5)، وَقَوْلِهِ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسرفوا (الأعراف: 31)، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (الأعراف (32)، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِقُوا وَلَمْ يَفْتَرُوا وَكَانَ بين ذلك قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67)، وَقَوْلِهِ: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ - إلى