أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ١١الفصل الأول
الشريعة الإسلامية
التمهيد: الحاجة إلى التشريع
خلق الله الانسان كائنا مدنيا اجتماعيا بطبعه؛ لا يستطيع أفراده العيش منعزلين عن بعضهم البعض. وجعل التكافل والتعاون بينهم ضرورة تقتضيها طبيعتهم وفطرتهم البشرية التي أودعها الله فيهم؛ ومن هنا كان من لوازم حياة الانسان، بسبب تلك الطبيعة المعقدة والمركبة، أن تتضارب مصالح الأفراد بل والجماعات، فتتولد المنازعات بينهم فيشعرون بالحاجة، مع تطور حياتهم المدنية، إلى وجود أنظمة تحسم بها النزاعات الواقعة أو المحتملة لنشر العدل والأمن بينهم. وهكذا تولدت عند الانسان فكرة التشريع أو الفقه أو القانون ويقصد بذلك جملة القواعد المنظمة لحياة الناس. وقد ظهرت في أول أمرها على شكل عادات موروثة اكتسبت مع مرور الزمن قوة الإلزام، ثم تطورت بتطور المجتمعات المختلفة، وأصبح لكل مجتمع تشريعه ونظامه القانوني؛ يحدده ويفرضه مستواه المدني والحضاري. والمجتمع العربي، قبل الإسلام، لم يشذ عن هذه الحقيقة. فرغم ما يوصف به من جهل وجهالة، فقد كان على مستوى معين من التنظيم والتشريع الذي كان في شكل أعراف تناقلتها الأجيال وورثها الخلف عن السلف بالتلقى الشفوي بسبب قلة الكتابة. وقد اعتمدت هذه الأعراف في تنظيم العلاقات والحقوق والواجبات بين أفراد القبيلة فيما بينهم، وفيما بين الفرد وقبيلته، كما كانت تنظم علاقات القبائل فيما بينها سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحربي. فقد كان للعرب، أيام الجاهلية،
-11 -