أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣لم يكتف الشيخ بصياغة التراث من جديد وإعادة النظر فيه، بل تجاوز
ذلك إلى المقارنة مع آراء المدارس الفقهية الأخرى، واجتهد في المسائل المستحدثة على الأصول التي أقرها المذهب. ثم جاء بعده رجال اجتهدوا في أن يقدموا الفقه الإباضي في ثوب جديد في شكل كتابات مبسطة ورسائل وفتاوى تعالج قضايا هذا العصر. لم يشذ الفقه الإباضي عن الحالة العامة التي كان عليها الفقه الإسلامي؛ فمنذ القرن التاسع قصر جهدهم) (الفقهاء) عن الإنتاج المبتكر؛ فسلكوا في التأليف طرقا ملتوية شاقة، بعدت عن الطريقة السهلة التي عرف بها المتقدمون فاستهواهم الولع بالإيجاز تارة والتطويل أخرى، ثم الاغراق في الإيجاز مرّة ثانية مع ما في ذلك من تكلف وتعقيد، يجعل القارئ يسير في مسالك متعرجة ومنعطفات شائكة ومتاهات غامضة.
يبتدئ المؤلف بوضع كتاب موجز يدعى «متنا» ثم يشرحه أو يشرحه تلميذه من بعده، وقد يشرح الشرح السابق، ثم تكون الحواشي والتقريرات والهوامش ويكون بعد هذا اختصار الشروح الكبيرة إلى متوسطة وصغيرة واختصار المتون كذلك في عبارة مكثفة، أو نظمها شعراً يجمع إلى الركة
الإيجاز المخل، ثم يشرح هذا النظم ويحشي ويختصر. لم يمنع هذا الوضع من أن يظهر رجال عولوا على مقاصد الشريعة وقواعدها العامة وأدلتها الكلية، فاجتهدوا على ضوئها في حل قضايا عصرهم. كما أنه لا يمنع أن نعترف لهؤلاء المؤلفين، على علاتهم، بأنهم قد حافظوا على ثروتنا الفقهية ونقلوا لنا من مؤلفات فقدت أو أنها في حكم المفقود والمهم أنهم تركوا بين أيدينا ثروة كبيرة، تحتاج إلى أن نستفيد منها على ضوء معارفنا وأساليبنا الجديدة.
- 203