أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٣وغابت القدرة على التحقيق والإبداع إلا من حالات فردية تعد استثناء؛ فانكب المتفقهة على الجمع والنسخ، فظهرت الموسوعات والمختصرات والمتون والشروح والحواشي، كما ازدهر النظم الفقهي وذاع بين الناس. وقد ساعدت على هذا التحول عوامل كثيرة داخلية وخارجية سياسية وغير سياسية. وقد استمر هذا الوضع إلى عهد قريب جدا قبل أن تظهر عوامل النهوض
والتجديد.
لقد كشفت لنا هذه الدراسة الوصفية والنقدية المختصرة أن الفقه الإباضي، كغيره من فقه المذاهب الأخرى، قام على أصول تشريعية أصلية متفق عليها هي القرآن ثم السنة فالإجماع فالقياس؛ وأصول تبعية مختلف في الاحتجاج بها، توسع الإباضية في الأخذ ببعضها، وتعاملوا مع البعض الآخر بشيء من الاحتراز. وقد دوّن فقهاء المذهب هذه الأصول التشريعية المعتمدة، منذ القرون الأولى، فظهرت في باديء الأمر نظريات وقواعد أصولية متفرقة، وأبحاث أولية، تطورت مع الأيام لتدون في كتب أصولية، شأنها في ذلك شأن أصول الفقه في المدارس الفقهية الأخرى.
وقبل أن أختم كلمتي هذه التي لخصت فيها بعض ما جاء في الكتاب، فإنه لا يسعني إلا أن أنبه على أن ما فعلته ليس إلا خطوة أولى، قد تعجب البعض وتزعج، آخرين في طريق دراسة هذا التراث الثمين في الفقه والتشريع وعلى أني لم أقصد بما كتبت أن يكون دراسة أكاديمية بقدر ما أردته أن يكون مباحث تثقيفية وتحسيسية، لذا لم أكن مضطراً لأن ألتزم فيها بشكليات البحث الأكاديمي فخلت من الإحالات والتعليقات التي تملأ الهوامش، فتشغل القاريء غير المتخصص، وتشتت أفكاره، فتمنعه من متابعة القراءة والتركيز الذهني على ما يقرأ لتحصل الفائدة منه.
233