أشعة من الفقه الإسلامي (3): الفقه والتشريع مدخلاً وتاريخاً مهني بن عمر التيواجني

أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع

الجزء ١ · صفحة ٧٠

والمعرفة إذ أن الأحكام التي استنبطها الفقهاء المجتهدون لم تكن قائمة على مجرد التشهي والهوى بل قامت على أسس منهجية محددة. وإذا كان الإمام جابر، كغيره من فقهاء عصره، لم يدون مذكرات عن خطته التشريعية، فإن ذلك لا يعني أنه كان جاهلا بتلك الخطة. وبتتبعنا التراث الفقهي الذي تركه لنا الإمام جابر نلاحظ أنه قد اتبع خطة أساتذته من الصحابة في رجوعهم إلى مصادر التشريع، وفي مبادئهم العامة التي راعوها في تشريعهم. وقد أشرنا إلى أن ابن عباس، بكل ما يمتاز به يأتي في أعلى قائمة الصحابة الذين تأثر بهم الإمام جابر، ثم تأتي السيدة عائشة وابن عمر وغير هؤلاء ممن أخذ عنهم. وبتتبع تاريخ التشريع الإسلامي العام، ابتداء من عهد التابعين نلاحظ حصول بين بعض المجتهدين مناظرات واختلافات، كانت تؤذن بظهور خطة أو خطط تشريعية. ففي فقه الإمام جابر ما يدل على ذلك؛ فقد روى الإمام الربيع بن حبيب عن ضمام عن أبي الشعثاء أنه لم يربأسا أن يتخذ الحذاء من جلد الحمار الأهلي. وقال الكوفيون: لا بأس إذا كان مدبوغا. فكما هو ظاهر الكلام فإن أبا الشعثاء يذهب، في المسألة، إلى الجواز المطلق، وقاعدته في ذلك أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على غيرها، فالقول باستصحاب حال الأصل واحد من مصادره التشريعية. وسئل الإمام جابر عن المسح على الخفين فمنعه، في الوقت الذي أباحه الكثيرون، ولعل حجته في ذلك أنه لم يصح عنده شيء في ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو أنه لا يقبل أن تعارض السنة نصا قرآنيا قطعيا … ومن ذلك أيضا أنه سئل عن إمرأة أدركت (بلغت) في شهر رمضان. قال: تصوم ما أدركت من الشهر ثم تقضي ما فاتها من أوله، وكذلك الغلام إذا أدرك والمشرك إذا أسلم. وقال الكوفيون: إنما يصوم من يوم أسلم أو بلغ فقط، ولا

_ V • _

-