أشعة من الفقه الإسلامي - الفقه والتشريع
الجزء ١ · صفحة ٧١قضاء في شيء من ذلك والظاهر أن الإمام جابر اعتمد في حكمه ذاك على ظاهر الآية فمن شهد منكم الشهر فليصمه وجعل من شهد بعض الشهر كمن شهده كله. وسئل عن رجل تزوج إمرأة ولم يفرض لها صداقا ثم مات؟ قال: لا صداق لها، وعليها العدة ولها الميراث. قال أبو علي: إجماع من الفقهاء أن لها صداق نسائها أو من كان مثلها من أهل بيتها، وروى في عن ابن مسعود أن لها الصداق. قال جابر لو نجد هذا عن ابن مسعود، عن ثقة، أخذ نابه. فهو لا يلزم الزوج بالصداق من غير دليل صحيح وصله عن النبي ()، فلا إلزام إلا بنص.
ذلك
وهكذا يتبين لنا، من خلال تلك النماذج التشريعية، أن أبا الشعثاء كان يفتي ويصدر الأحكام وفق مبادئ وأصول اقتنع بصحتها وصوابها، وظهر خلالها غير متهيب من الرأي كل التهيب، ولا جريئا فيه كل الجرأة، كما
من
لم يكن يقبل من الحديث كل ما ينقله الناس، ولم يكن يرد منه ما صح بل كان من أخشى الناس أن يعرض عن حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليعمل
برأيه.
وإلى جانب تلك الإشارات السريعة حول الأصول التشريعية للإمام جابر، فإننا نلاحظ في فقهه خصائص التشريع في عهد التابعين الذي ينتمي إليه، من إتساع دائرة الفقه وكثرة الخلاف في مسائله، والذي يعود، في أكثره، إلى ازدياد الحوادث بسبب اتساع رقعة البلاد الإسلامية واختلاف عادات أهلها وتقاليدهم والأحوال الاجتماعية والاقتصادية، ونمط العيش، وأسلوب المعاملات، ودرجة المدنية، فإن البصرة التي قضى فيها جابر جل حياته كانت نموذجا للمدينة الإسلامية الناشئة التي تموج فيها كل تلك الظواهر. فمن العادات أن إمرأة غاب عنها ابنها، فأتت إلى جابر بن زيد فقالت: إني
_ VI_