الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٥ولعمرى إنهم ليرون الدلالات والعلامات الظاهرات في خلقهم وما يعاينون من ملكوت السموات والأرض والصنع العجيب المتقن الدال على صانع [331] له. ولكنهم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي وسهلوا لها سبيل
الشهوات وغلبة الهوى على قلوبهم، واستحوذ عليهم الشيطان، وكذلك
يطبع
الله على قلوب المعتدين
فالعجب لمخلوق يزعم أن الله سبحانه يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه، وتركيباً بتمييزه وعقله، وتأليفاً يبطل حجته. واعمرى لو تذكروا في هذه الأمور الصغار لعاينوا من أثر التركيب والتدبير الظاهر ووجود الأشياء مخلوقة قبل أن تكون وتحويلها من صنعة إلى صنعة، وصنعة إلى صنعة فدلهم ذلك على الصانع لها وأنه لا يخلو شيء منها من أن يكون فيه أثر تدبير يشهد على أن له خالفا مدبراً، وتأليف وتقدير هذا إلى واحد حكيم. أما بعد فإني سأذكر لك أمراً فلا يكن في صدرك منه ولا درج التصد ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. قال الله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب) (1). وقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة
تتعد به من
(1) سورة الشورى: آية 13.
19911