مختصر الخصال (دراسة وتحقيق)
الجزء ١ · صفحة ٦٨44
كذلك الشأن بالنسبة لبعض مصنفات كتب التأريخ، ففي كتاب المعارف) لابن (
قتيبة (ت 276 هـ) فقد ذكرت عبارة قال ابن محمد) زهاء (30) مرة، وهكذا في فتوح الشام) للواقدي (ت 207 هـ) جاء فيه جملة (قال الواقدي) قرابة (57) مرة
بعده
من هذه الأمثلة نخلص إلى الإجابة على السؤال الأول فنقول: إن هذه الطريقة التي يذكر المؤلف فيها اسمه أو كنيته خلال تأليف كتابه مراراً عديدة طريقة اتبعها العلماء قبل أبي إسحاق، وأغلب الظن عندي أنها ظهرت وبرزت بوضوح في القرن الثالث الهجري فما على أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذه الطريقة قد تكون من زيادة النساخ أو الرواة للكتاب في بعض الأحيان، لكن هذا الاحتمال يتضاءل جداً في بعض الكتب، ومن هذه الكتب كتاب (مختصر الخصال)؛ إذ كثرتها واطرادها يبعد أن يكون من تصرف النساخ والرواة تعدد مع المخطوطات للكتاب واختلاف مشاربها، واتفاقها جميعها مع مواقع ذكرها في كتابه وعدم إضطرادها، وكان بالإمكان القطع بهذه النتيجة لو قدر لي أن أقع على مخطوطة بخط المؤلف نفسه، إلا أن ذلك لم يتأت لي.
بقي التعرف على الحكمة من هذه الطريقة من طرق التصنيف؟
6
لم أعثر على من عرّج على الحكمة من ذلك، ولذلك أجدني مضطراً إلى تلمس الحكمة، وسبيلي إلى ذلك التعرف على فائدة الاكثار من ذكر اسم المؤلف أو كنيته في كتابه وعدم الاكتفاء بذكره بداية الكتاب فحسب، وفائدته – فيما أظن - تكمن في أن ذلك أحوط في النسبة، وأدق في التوثيق؛ إذ إن انتشار الكتاب في العصور القديمة قبل انتشار المطابع الحديثة قائم على النسخ بخط اليد، وما يتبع ذلك من ندرة في وجوده، وما قد تتعرض له الكتب من تلف وتحريف ونقص، فلو فرضنا أن كتاباً نزعت منه أول صفحة من صفحاته لذهب اسم المؤلف منه ولجهلنا مؤلفه ولعد الكتاب مجهول المؤلف، فكان في تكرار اسمه في ثنايا كتابه صيانة عن مثل هذه النهاية المؤسفة.
كذلك فإن هذا الأسلوب يترك في نفوسنا يقيناً بثبوت ما يرد في الكتاب لمؤلفه ويرفع احتمال وقوع الزيادة من غير أصل الكتاب مما قد يزيده الأخرون عليه، فحتى لا يدخل أحد أشياء على تصنيفه؛ فإنه يصير إلى الإكثار من نسبة فقرات في كتابه له، وقد شكل إكثار أبي إسحاق من هذه العبارة سياجاً محكماً من إقحام ما ليس من الكتاب فيه.
(15) تكررت أقوال أبيه قيس بن سليمان في مواضع عدة من كتابه فبلغت قرابة الثلاثة والعشرين موضعاً مع أن عادة الكتاب عدم نسبة الأقوال لقائليها، وليس في الكتاب ما يصرح في هذا الخصوص بشيء، بقي أنني بتتبع مسائله في سياقاتها المختلفة لاحظت عدة أمور، من