الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٠٧أما الثانية فهي تغلب الشيعة على الدولة الرستمية في الجزائر، وقضائهم على هذه الدولة.
وإذا كانت كلتا الدولتين الأغلبة والشيعية لا تتبعان أحكام الإسلام، ولا تعملان بها، فقد فكر علماء الإباضية في جعل نظام يسيرون عليه، يحفظون به أحكام الله في مواطنهم، ويسيِّرون به الأمة في الوجهة الصالحة، دون أن يلتجئوا إلى إعلان دولة جديدة، أو يتعلقوا بدولة ظالمة مستبدة.
فاهتدوا إلى وضع هذا النظام، وقد كان في أول الأمر عُرفاً يسير عليه الناس، حتى جاء الإمام الكبير أبو عبد الله محمد بن بكر في أواخر القرن الرابع، فحرره على شكل قانون يشتمل على مواد، ثم طبقه تطبيقاً كاملاً في مواطن الإباضية، في ليبيا، ثم في تونس، ثم في الجزائر، حيث لا يزال يطبق بدقة؛ وعلى هذا الأساس اعتبر المؤرخون أن الإمام أبا عبد الله هو واضع نظام العزَّابة، والحق أنه يعتبر واضعاً لهذا النظام؛ فلولاه لما وصل إلينا على تلك الطريقة المنسقة، وقد جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء الكبار عنوا بدراسة هذا النظام عناية خاصة، وأضافوا إليه بعض المواد، وأطلق عليه بعضهم لفظ (سيرة العزَّابة)، و من العلماء الذين عنوا به، وكتبواعنه: أبو زكريا يحيى بن بكر، وأبو عمار عبد الكافي، وأبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، وقد حرص المتأخرون منهم أن يضيفوا إليه جملا في آداب العالم والمتعلم. وآداب حلقة العزَّابة وما يجب أن تتنزه عنه.
والذي يدرس هذا النظام كما شرحه أولئك الأئمة الأعلام يخرج بقانون فذ لنظم التربية والتعليم من جهة، وللسيرة الصالحة التي يجب أن يسير عليها المسلمون، فتحفظ عليهم خلقهم ودينهم، عندما تسيطر عليهم دول البغي والعدوان.