الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢٥اعتصام الإباضية بالدين
لقد أشرت إلى بعض الأصول العلمية التي يمتاز بها الإباضية، و يعتمدونها في مذهبهم، و يحسن بي الآن أن نعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية و إلى أثره في مجرى تاريخها، و إلى مسلك أتباعه للأصول التي أصولها و القواعد التي دونوها، و المبادئ التي ساروا عليها في جميع عصور التاريخ طبقا لمسالك الدين التي سبق الحديث عنها.
وليس من الدعوى أو التبجح أن أقول أن الإباضية من أولى الفرق الإسلامية التي تحرص أن لا يتخطى أفرادها الحدود التي رسمها لهم الدين و أن يكون المسلم منها صورة صحيحة حقيقية لممارسة الإسلام، و أوضحته سيرة السلف الصالحين و ليس معنى هذا أنه قد لا تقع معصية من إباضي، فإن هذا ليس من طبع البشر و إنما المقصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية فإما أن تكون مما يعلمه الناس، أو مما يلم به الفرد مستترا حتى يغلبه الشيطان، فإذا كان الخطأ من النوع الأول بادر المسلمون إلى إعلان البراءة منه و قطع التعامل معه و الجفوة عليه حتى من أقاربه و أهله، حتى يعترف بما ارتكب على الأشهاد، و يعلن توبته إلى ربه بعد رجوعه إليه و يعاهد الله ألا يعود و هكذا يرجع العاصي إلى حظيرة الأمة و تطهر من أرجاس المعصية ليعاود الكفاح في سبيل الله و العمل الخير و قد تطهر و الدعوة إليه و يحيا حياة نظيفة في مجتمع نظيف.
أما إذا كان من القسم الثاني أي من الأخطاء التي يلم بها الإنسان مستترا فإن ذلك يجعله يسير مع الركب في الظاهر، على أن ضميره لا يكف عن التوبيخ هو يعتقد انه ليس فيما يعصى الله به صغير كما قال ترجمان القرآن رضي الله عنه،