الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٧و لما كانت الرقابة الشديدة عن أبي عبيدة لا تنفك عن التجسس عنه و كانت أوامر الظلمة تمنعه من التدريس فقد اتخذ مدرسته في سرداب خفي طويل ووضع على مدخله سلاسل من الحديد فإذا سمع صلصلتها هو و طلابه علموا أن غريبا يريد الدخول إليهم فأوقفوا الدرس و شغلوا بصنع القفاف فلا يشتبه الزائر في أمرهم فإذا غادرهم و أمنوا عيون الظلمة رجعوا إلى ما كانوا عليه.
و انتقلوا من إدارة معمل لإنتاج القفاف إلى إدارة معمل لإنتاج القلوب و العقول و العزائم.
و مع هذه الرقابة الشديدة و الضغط المستمر و العذاب المر مع كل ذلك استطاع ذلك الغمام العظيم أن يكون مدرسة إسلامية تحمل نور الهداية المحمدية إلى جميع الآفاق، فقد تثقف فيها عدد لا يبلغه الحصر من المسلمين و يكفي أنها خرجت حملة العلم إلى المشرق و حملة العلم إلى المغرب.
و إلى هذا الكفاح الطويل المستمر ضد الظلم و الظالمين الذي يقوم به هذا الإمام، فإنه كان يقوم بكفاح عقلي وديني آخر طويل مستمر، كفاح البدعة فيما تزخرفه العقول المنحرفة و البصائر الحولاء من القدرية و المجبرة و الخوارج تلك العقول التي ابتليت بحب الجدل في ذلك الحين و ترك العمل.
كان أبو عبيدة – إلى دينه القويم، و خلقه الكريم و علمه الواسع و ثباته على المبدأ و استمساكه بالحق و جفوته للعصاة و صموده أمام النوازل جم التواضع، لين العريكة و سهل الخلق يعترف بقلة الإطلاع و قصور الباع.
لقد كان مسلما في دينه و في خلقه و في عمله و في علمه و كان داعية من دعاة الإسلام، لا يفتنه زخرف الحياة و لا تغره زينة الدنيا، و لا يجد الباطل عنده لينا أو هوادة.