الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٥٨إنه خلق الكفاح: كفاح الباطل في جميع صوره و أشكاله، كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق القوة من ذوي السلطة و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العقل في منطقة البدعة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق العلم في إغفال بعض تراث الأمة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجهل في التقليد الأعمى، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الصبر في الوداعة لاحتمال المذلة، و كفاح الباطل الذي يأتي عن طريق الجزع في صورة الفرار من الصمود لاحتمال النازلة ودرء المصيبة.
و هو حين يكافح هذا الباطل في جميع صوره و أشكاله يعرف أن حياة فرد أقصر من أن تقوم بهذه الرسالة الكريمة و لذلك عمل على تكوين جيل من الشباب الواعي المثقف و العارف بحقيقة الرسالة الإسلامية، المدرك لأسرار شريعتها و أن أول وصف يجب أن يكون عليه المؤمن بالله أن يكون معتزا بالله ذليلا على المؤمنين، عزيزا على الكافرين، صبورا على المحن في إعلاء كلمة الله.
قال العلامة الشماخي عندما تحدث عن أبى عبيدة:
(تعلم العلوم و علمها، و رتب روايات الحديث و أحكمها، و هو الذي يشار إليه بالأصابع بين أقرانه و يزدحم لاستماع ما يقرع الأسماع من زواجر و عظة، و قد اعترف مع ذلك بضيق الباع، مع ما عليه من اتساع).
و مع ما لهذه الشهادة من قيمة، فإن الحركة العلمية التي قام بها الإمام أعظم من أن تصورها كلمات في سطور، و يكفي أنه كان مركز إشعاع في البصرة، و من ذلك السرداب الخفي الخفي الذي تصلصل السلاسل على بابه و تتكدس فيها القفاف من الأقلام و الأوراق، انطلقت الدعوة الحرة الكريمة، للمحافظة على تراث محمد كما جاء به محمد، فبلغت هذه الانطلاقة أقصى المشرق و أقصى