الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١فكرة المناجزة، فقضى على أهل النهروان، ولكنه لم يستطع أن يقضي على الفكرة التي دعوا إليها، هذه الفكرة التي تسربت بما فيها من صدق وصراحة و واقعية إلى كثير من العقول، حتى أصبحت مبداء يناضل عنه معتنقوه بصبر وشجاعة وثبات.
وخلاصة البحث أن كلمة الخوارج، أطلقها بعض المؤرخين على أتباع عبد الله بن وهب الراسبي إطلاقا تاريخيا وأدبيا، بحيث لا تنصرف إلى غيرهم، وليس في هذا كبير بحث، فإن إطلاق إسم على مجموعة من الناس ليس بذي أهمية إذا كان هذا الإطلاق مجرد تسمية. أما إذا روعي فيه مدلول ديني فإنه يحسن بنا أن نتريث قبل أن نطلق هذا الحكم الرهيب، الذي يسلطه التاريخ المغرض على رؤوس بعض الطوائف الإسلامية في قساوة وغلظة، في الحين الذي نعترف فيه أن هذه الطوائف تؤمن برسالة (محمد) وبتكاملها، وبما جاء فيها، وتستند في آرائها ونظرياتها إلى كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام .. وتعتمد في محاججتها على ماجاء في التنزيل، وورد في خبر المعصوم، وأجمعت عليه الأمة، التي لا تجتمع على ضلال، ولو أنهم انحرفوا في الفهم، وأخطأوا في التأويل. وقد يعتقد بعضمن يطلع على هذا الفصل أنني أريد الدفاع عن الخوارج، وتبرير أعمالهم، وتصحيح أخطائهم.
والواقع أنني لم أقصد إلى شيء من ذلك، وكل ما في الأمر أنه ساقني إلى هذا الحديث، المنطقية التي وجدتها في أبحاثهم ونظرياتهم في قضية الخلافة، وحاولت جهد المستطاع أن أصور الحوادث والدواعي إليها في ذلك العصر دون أن أنساق مع تيار من التيارات، وأجعل أحكامي أكثر دقة وتجردا من المؤثرات السياسية والعاطفية والمصلحية، التي أثرت على كتّاب التاريخ والباحثين في العقائد في تلك العصور السوابق. والله الموفق للصواب.