الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠وعلي، ولا الخارجون عن الدين في زمن الصديق؟ لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد منها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامحة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من المسلمين الأبطال. إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الأحداث لم تكن معروفة عند وقوع هذه الثورات، وإنها إنما وضعت بعد ذلك قصدا للتشنيع على أهل النهروان، ولحمل علي على قتالهم والقضاء عليهم، خوفا من أن يتحرج علي من دمائهم، ويتردد في قتالهم، ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق، ولرأيهم سند.
وقد كان علي شديد المحاسبة لنفسه، كثير التفكير في أعماله السابقة، يزِنُ مأقدم عليه من أحداث، ويدل لهذا ماقاله أبو العباس الشماخي في كتابه القيم (السير): (فقال الأشعت ناجز القوم، وإن كلموا الناس أفسدوهم علينا)(1) فالشيعة الذين يحيطون بعلي، وهم يكافحون لكي يبنوا دولة، يخشون أن يتصل أهل النهروان بالناس، وأن يقنعوهم بما لديهم من حجة وبرهان، إن قبول التحكيم خطاء في السياسة، وإن خلافة علي بعد التحكيم والعزل باطلة، وإن البيعة ساقطة عن الأعناق، وإن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسبي، الذي بايعه جمهور غير قليل من المسلمين، كان الشيعة يخافون أن يتصل أهل النهروان بالناس، ولذلك فهم يريدون أن يقضوا على هذه الآراء قبل أن تنتشر في الناس، ويفهمها الجميع، ويقتنعوا بصحتها.
ولايمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على أصحابها، فلو تردد علي في هذا الأمر، وتحرز من إراقة الدماء، فإن كل شيء سوف يضيع، ولذلك فيجب أن يحمل بشتى الوسائل والطرق على اتخاد هذه الخطوة الحازمة الحاسمة.
وقد استطاعوا أن يقنعوه، فاقتنع برأي الأشعت، واتخذ هذه الخطوة، ونفذ
(1) 1 السير ص 52