الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩

ميزان الخطاء والصواب للفرق الإسلامية

إن كثيرا من الذين تحدثوا عن الإباضية في القديم والحديث، وسواء كان ذلك في سياق البحث عن العقائد، أو عن أحداث التاريخ، جرت على أقلامهم هذه العبارة: (الإباضية أقرب الفرق إلى أهل السنة). وأهل السنة هم فرقة من الفرق الإسلامية؛ لها آراء وأصول بنت عليها قواعد مذهبها(1). وهي ترجع في هذه الأصول إلى الأصل العام لجميع الفرق الإسلامية - الكتاب والسنة والإجماع-ولايمكن بطبيعة الحال أن تتخذ فرقة من الفرق مقياسا للخطاء والصوب، فتحكم على صحة المذاهب الأخرى بمدى القرب أو البعد منها، فإن أصحاب كل فرقة من الفرق الإسلامية الكثيرة يعتقد أنه على صواب، وأن الحق فيما ذهب إليه، وأن دينه الذي يدين الله به أصح الأديان، وأن أصوله التي استمدها هي أثبت الأصول، وهو بهذا الإعتبار يرى أن الفرق التي تشاركه في أكثر الأصول تكون أقرب الى الصواب. ولكن هذه دعوى يدعيها أصحاب كل مذهب، فليس لها في نظر الحقيقة قيمة … وإنما المقياس الحقيقي الذي نقيس به الخطاء والصواب، والميزان الصادق الذي نزن به العقائد والمذاهب والآراء والأعمال، فنعرف مقدار صحتها، ومدى قربها أو بعدها من الصواب، فإنما هو الميزان الذي وضعه رسول الله صلىلله عليه وسلم: [لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي] هذا هو المقياس الصحيح، الذي لا يتغير، ولا يتهم، ولا يخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. من أراد أن يعرف صحة عقيدة أو زيغها، وقربها من الحق أوبعدها، فليعرضها على هذاالمقياس، وليحكم حينئذ بما يتبين له، وليدع جانبا تقارب الفرق والطوائف من بعضها وتباعدها، ولينبذ أسماءها

(1) 1 راجع الحديث عن أهل السنة والجماعة في الفصل:"الإباضية في قيادة الأمة" من هذه الحلقة.

٣٥ / ١٦٣