الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٩

حول كل واحد منهم هالة من المعجبين، نشاء عنها شبه ما يسمى اليوم- في الفلسفة والأدب- بالمدارس.

التفّ حول كل واحد من هؤلاء الأعلام، مجموعة من الطلاب والمستمعين، يعجبون بدروس أستاذهم وآرائه، ويقتنعون بحجته وبرهانه، ويعتقدون سلامة الأصول التي بنى عليها أحكامه، فيتجهون اتجاهه في الفكرة والعمل والمعتقد، ويستعملون أدلته وبراهينه، ويحاولون أن ينشروا عنه ذلك، وأن يقنعوا به الناس، وبهذه الطريقة، تصبح لبعضهم مدرسة متميزة عن غيرها في بعض الآراء أو المعتقدات. ولقد كان في كل حاضرة من الحواضر الإسلامية في ذلك الحين مدارس ذات شهرة ومكانة، فقد كانت مكة، والمدينة، و البصرة، والكوفة، ومصر، وعمان، ودمشق وغيرها، مراكز ثقافية، تشع على العالم الإسلامي نور المعرفة والهدى. وقد كان العلماء من بقية الصحابة وكبار التابعين، أمثال عبد الله بن عباس وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وسعيد ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، يشغلون هذه المراكز، ويتولون فيها نشر الثقافة الإسلامية.

ولما ذهبت هذه الطبقة الممتازة من الصحابة والتابعين، خلفتهم طبقة أخرى من تابع التابعين، وكان كل واحد منهم متأثراً بأحد أولئك الأعلام، يترسم خطاه، ويفتي بفتواه، وجاءت بعد هذه الطبقة، طبقة أخرى، سلكت نفس هذاالسبيل، وقد كانت تجدُّ حوادث، وتحدث آراء، في زمن كل طبقة من هذه الطبقات، فيدرسها المجتهدون، ويرجعونها إلى الأصول الثابتة عند كل واحد منهم. وبطول الزمن، وانتشار الجهل بالدين، وتكون طبقة من الفقهاء الجامدين، الذين يقدسون آراء الأشخاص، ويتحكمون في أعمال الناس، فيدعونهم إلى اتباع رأي معين، وتقليد إمام يرونه أعلم من غيره، وأصوب حكما، تكونت المذاهب،

٤٥ / ١٦٣