الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٠وتعصب لها الأتباع بدون فهم، وحاربوا غيرها في عناد وإصرار وبلادة.
وقلدوا أولئك الأئمة الذين وثقوا بهم، تقليد عصمة وتقديس، وانتسبوا إليهم إنتساب فخر واعتداد.
كان نشوء المدارس الدينية والثقافية في صدر الإسلام، واختلاف وجهة النظر بين المجتهدين في بعض الأصول أو الفروع، دليلا على سماحةالإسلام، وانفساحه للمدارك والعقول. وعلى عدم جموده على حرفية النصوص، وعدم تحجيره على الأفهام أن تنطلق في حرية التفكير والاستنباط، لكن هذه الحرية الدينية التي فهم حدودها الأقدمون، وهذه السماحة الإسلامية، التي أتاحت لتلك العقول الجبارة أن تحلق في أجواء البحث والاطلاع والاستطلاع- أصبحت فيما بعد سبباً من أسباب الشحناء والخلاف والتنابذ، عندما سيطر الجهل على الناس، وأعمى التعصب الجامد نور البصائر، ولعبت أهواء الحكم والسياسة بالمفاهيم الحقيقية لتعاليم الدين القويم، واستغل الطغاة والجبابرة من الحكام، أطماع ضعاف النفوس والعقائد، ممن تثق بهم الشعوب، وتكل إليهم أمر دينها، فانطمست الروح الحية، وأصبحت الحقائق الدينية، والأصول التيت تبنى عليها العقائد والأعمال، مظاهر جدلية للقول لا للعمل، وميدانا يتسابق فيه طلاب الشهرة العلمية للظهور لا للحق، وللناس لا لله، وأصبح الدين بعد ذلك مرفقا من مرافق الحياة، يأنس إليه الناس، بحكم الإرث والعادة والإلف، لا بحكم الإيمان والعقيدة والعمل. وهم يقومون بواجباتهم كما يقوم المسيحيون بطقوس الكنيسة. ومظاهر تعوّدها الناس لا صلة لها بالقلب، ولا علاقة لها بالإيمان. إنها واجبات تؤدى وحسب. يحس الإنسان راحة بعد الفراغ منها، كالتي يحسها عندما ينجز أعمالاً يجب عليه إنجازها.