الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٦ولكن شيئا من الحيرة يبقى مترددا في نفوسهم، وفي أمثال هذه الظروف، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقنعهم بالعمل، وبالنتائج المترتبة على حكمه وأجوبته، ولعل هذه الظاهرة تتمثل في أحداث الحديبية، التي ظن بعض المسلمين أنهم قبلوا فيها الدنية في دينهم، واحتار المسلمون فيها حيرة لم يحتاروا مثلها من قبل، وراجع فيها عمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا، وراجع أبا بكر حتى قال له الصدّيق رضي الله عنه: ويحك ياعمر استمسك بغرزه فإنه نبي يوحى إليه.
وأمثال هذه الحوادث لا يمكن أن يدعي أحد من الباحثين أنها نواة لتكون المذاهب، أو أنها مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مايقال فيها أنها مناقشة لزيادة الإطمئنان، كما سأل الخليل عليه السلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى.
ولما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتولىلخلافة أبو بكر ثم عمر، كانت خلافتهما امتداد لعصر النبوة، لولا الوحشة التي أعقبتها وفاة رسول الله وانقطاع الوحي، في نفوس المسلمين واجتماعاتهم. أما في غير هذا، فقد استمرت كلمة المسلمين واحدة. إلا فيما يحدث عندما تناقش مسألة تختلف فيها الأنظار حتى يذكر أحد من الصحابة فيها علما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينقطع الجدل، ويموت الصخب، أوتتوافق الأكثرية على حكم فتستجيب الأقلية. ويقع الإجماع، كما وقع في البيعة لأبي بكر، ويستمر المسلمون في كفاحهم للطغيان، ونشرهم لدين الله وجهادهم في سبيله، لا يجدون وقتا للدعة، ولا فراغا للراحة وعندما تستجد حوادث، أوتقع أمور تحتاج إلى حكم، يتولى ذلك أولوا الأمر والعلم من المسلمين، الذين كانوا مستعدين لهذا كل الإستعداد، يبحثون عن الأصول في كتاب الله، فإن لم يجدوا ففي سنة رسول الله، فإن لم يجدوا ففي إجماع المسلمين، فإن لم يجدوا، قاسوها على أشباهها ونظائرها، مما وقع فيه حكم مستمد من الأصول السابقة.
وامتد الزمن، وانتشر الإسلام في أكثر بقاع الأرض، ونقص عدد الصحابة