الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٠

وقد درس الإباضية، وفي مقدمتهم الإمام الأكبر جابر بن زيد هذه المشاكل، كما درسها غيرهم من علماء الإسلام، وانتهوا فيها إلى الرأي والمذهب الذي اقتنعوا بصحته وصوابه، مما يوافق كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اتخذ الإباضية الأصل الأول لمذهبهم فيما يتعلق بالباريء سبحانه وتعالى، تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق، استناداً إلى الآيات المحكمات من كتاب الله. وما ورد في القرآن الكريم مما يوهم التشبيه، فإنه يجب الإيمان به أنه من عند الله، وتأول الآيات الموهمة للتشبيه بما يقتضيه المعنى من السياق كتأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالقدرة، وما إلى ذلك.

وفي قضية القدر رأى الإباضية منذ ذلك الحين، أن الإيمان لا يتم حتى يؤمن الإنسان بالقدر، خيره وشره، أنه من الله) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) (الصافات:96)، (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر) (الأعراف: الآية54)، (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّه) (فاطر: الآية3)،) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء) (الرعد: الآية16)، وللعبد حق الإكتساب و الاختيار. وهكذا استقرت آراء الإباضية في أكثر مسائل الخلاف على الأصول المستمدة من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، ولا يزال بقية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحياءً وقد رجع الإمام الأكبر في كثير من هذه المسائل إلى آراء الصحابة؛ كعبد الله بن عباس، وعائشة أم المؤمنين، كما وقع في مسألة رؤية الباريء ليلة الإسراء، حتى قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية(1).

ومن هذا الفصل يتبين للقاريء الكريم أن المذهب الإباضي اقتبس أصوله القويمة التي بنى عليها عقائده وأعماله في خير القرون(2) حينما كانت بقية من

(1) 1 جاء في صحيح الربيع باب (10) في ذكر الشرك والكفر ص17 أبوعبيدة عن جابر بن زيد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية.

(2) 2 إذا فسر القرن بالمعنى الزمني المتعارف في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم .. الحديث).

٥٥ / ١٦٣