الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٦لقد كانت الصراحة والصدق والإيمان هي الصفات التي يتحلى بها المسلمون في الصدر الأول، فلا تجد إلا مؤمنين يتنافسون في العمل الصالح، أو منافقين أذلهم الله بنفاقهم، أو مسلمين قد تغلب على أحدهم لمَّة من الشيطان فيرتكب معصية يستخفي بها، ويستتر بذنبه وهو كظيم، فلا تبغ به الوقاحة إلى أن يستحل ما حرّم الله، ولا أن يجاهر بمعصية الله، ولا أن يصر على ما ارتكب من ذنب، وهو يعلم أنه ذنب، بل إنه ليحاسب نفسه الحساب العسير على ما ارتكب من إثم، ويرجع إلى ربه وهو مشفق أن يعرض عنه مولاه، ويتخلى عنه برحمته وينساه.
إن المجتمع الإسلامي أنظف من أن تقع فيه المعصية من مسلم ثم يسكتون عنه فيدعونه فيهم محبوباً قبل أن يبادر إلى التوبة والاستغفار والتكفير، إن كانت المعصية مما يتحلل منه بالتكفير. قيل لا بن عمر: إن فلانا يقرئك السلام، فقال رضي الله عنه: لقد بلغني أنه يقول بالقدر، فإذا كان باقياً على شئ من ذلك، فلا تبلغه عني السلام. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من رأينا منه خيراً، وظننا فيه خيراً، قلنا فيه خيراً وتوليناه، ومن رأينا منه شراً، وظننا فيه شراً، قلنا فيه شراً وتبرأنا منه(1) وقال عليه الصلاة والسلام: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان)(2).
هذه قضية رابعة من القضايا التي يكاد ينفرد بها الإباضية عن غيرهم من الفرق الإسلامية، فلم يساووا بين مؤمن تقي وعاصٍ شقي في المعاملة، وقالوا: يجب على المجتمع المسلم أن يعلن كلمة الحق في كل فرد من أفراده، وأن يتولى تهذيب الناشزين وتقويم المنحرفين، وتربية المخطئين، بالوسائل التي شرعها الإسلام للتربية الجماعية، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإعراض عمن يتولى عن الله.
وليس من الحق أبداً أن نتغاضى عن أولئك الذين يرتكبون المعاصي،