الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الأولى: نشأة المذهب الإباضي علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ النشاة- موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٨٧

ونضعهم في صف واحد مع المؤمنين الموفين، بل يجب أن نزجر العاصي عن معصيته وأن نعالنه بالعدواة مادام منحرفاً عن سبيل الله، وأن لا نساوي في المعاملة بينه وبين الموفي، وأن لا نعطيه من المحبة وطلب المغفرة وحسن التعامل ما نعطيه للذي يراقب الله في الخفاء والعلانية، ويرجع إليه في كل كبيرة وصغيرة، ويقف عند حدوده التي رسمها لا يتخطاها) وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: من الآية123)،) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (المجادلة: من الآية22)

ويسرني أن أختم هذا الفصل بهذه السطور الرائعة من كلام الأستاذ محمد الغزالي:

(هل الدين إلا الحب والبغض! .. إن الدين هو هذه العاطفة المشبوبة بمحبة الخير وأصحابه، وكراهة الشر وأحزابه، هو هذه العاطفة الدافقة المنسابة كالفيضان الموار، لا تجد مستقرها إلا حيث تبلغ أهدافها، لا يهمها أن تغمر سفحاً، أو تطوق قمة .. إن الدين هو هذه العاطفة الحرة اليسيرة: اشمئزاز من مسالك الفسقة يقبض يدك عن مصافحتهم، ويجعل حمرة الغضب تصبغ وجهك لجراءتهم على ربهم، فإما استطعت أن تخسف الأرض من تحتهم، أو تقيم الدنيا وتقعدها حولهم .. وإلا فإن أقعدك العجز سكنت سكون المقهور على ما يلسعه من عار، لا سكون البليد على ما وصل إليه من قرار).

لقد شرح الأستاذ الغزالي في هذه السطور القليلة قاعدة الولاية والبراءة التي سار عليها الإباضية منذ فجر التاريخ. والإباضية لا يخرجون العصاة من الملة، ولا يحكمون عليهم بالشرك، ولكن يوجبون البراءة منهم وبغضهم، وإعلان ذلك لهم حتى يقلعوا عن معصيتهم ويتوبوا إلى ربهم.

٨٢ / ١٦٣