تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٧٢بين يديه، فقال له أما هذا فلا تتناوله فإنه مُهلك للحيوان، وأما هذا ففيه شفاؤك، وأنت قادر على معرفته بالتجربة، وهو أن تشرب فتُشفى (1)، فلا فرق في حقي ولا في حق أستاذي بين أن تهلك أو تُشفى؛ فإن أستاذي غني عن شفائك وبقائك، وكذلك أنا ".
قال المفسر: قال المهدي في عقائده (2) في هذه المسألة بنفسها أيضاً وقد فَرَضَها على هذا المثال (3): يقال له (4): مَثَلُك كَمَثَل ولدٍ له والد مشفق، وخلف الولد أسدّ حطوم، فقال لابنه () لا تلتفت وانج بنفسك هارباً؛ فإنك إن التفتَ أكلك الأسد. فإن نجا بنفسه سَلِمٍ، وإن كَذَّب افترسه الأسد". قال المهدي: ونحن نقول إن الله أرسل الرسل وأيدهم بالمعجزات، وفَرَضَ الإيمان به وبهم على ألسنتهم، وأمر بتصديقهم واتِّباعهم، ونهى عن الكفر به وبهم وعن مخالفتهم، وليس ذلك موقوفاً على نظرك وتصديقك، فإن نظرتَ في المعجزة (6) بانَ لك صدقهم وقطعت بتحقيق ذلك، وانتفعت بالإيمان في الدنيا والآخرة، وإن كذَّبْتَ وتأخرت ضربنا عنقك في الحال، ودخلت النار في المآل".
على أن بعض مشايخ أصحابنا [من] (7) أهل الجبل (81) قطعوا عذر صاحب الجزيرة ولم يعذروه، سواء كان على الدين أو لم يكن، وقالوا: لم يبق أحدٌ إلا وقد بلغ له النبي - عليه السلام- الحُجَّة وأقامها عليه، والله أعلم. قال المفسر: والذي يظهر لي من أجوبة أصحابنا أنه غيرُ معذور، ولا يَسَعُه التوقُّف، [وقد] (9) قامتْ عليه الحُجَّة بالصدق، وهو قول الربيع بن حبيب (10) - رضي الله عنه- حيث قال: الصدقُ في نفسه حُجَّة (11)، واستدل عليه بقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
(1) هذا تشبيه بديع من الإمام الغزالي، وذلك أنه شبه حال الرسول الذي يبين للناس طريق الهدى والنور وطريق الغواية والضلال بحال الطبيب الذي حضر معه مريض يحمل دوائين وقد تردد بينهما، فبين له الطبيب بأن الدواء المناسب لك هو هذا، وأن الآخر هو سم ناقع يودي بك إلى الهلاك، فلا غرو ولا شك أن يستجيب هذا المريض إلى نصيحة طبيبه؛ حتى لا يقوده جهله بالدواء إلى حتفه وهلاكه، فالرسول في هذا المثال هو الطبيب، والمكلف الجاهل هو المريض، وطريق النور والهداية هو الدواء الناجع، وطريق الضلال والغواية هو السم الناقع، فما أبدعه من تمثيل وتصوير. (2) لم أتمكن من معرفة "المهدي" الذي يعنيه الشارح ولا كتابه الذي ينقل عنه.
(3) في (أ): "على أهل المثال" وهذا تصحيف.
(4) ساقط من (ب) و (ج).
(5) في (ب) و (ج): "فقال له" والمعنى واحد.
(6) في (ب) و (ج): "في المعجزات" بصيغة الجمع.
(7) ساقط من (ج).
(8) يعني جبل نفوسة في ليبيا، كما سبقت الإشارة إليه، وقد نبغ من مناطق جبل نفوسة أناس كثيرون من علماء الإباضية.
(9) في (ب) و (ج): "ولو قامت عليه الحُجَّة".
(10) الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي (ت: 170 هـ)، سبقت ترجمته.
(11) ينظر: السوفي، السؤالات، مصدر سابق، اللوح:82.
{164 (
}