تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٧١العقل من قسم الجائز، والعقلُ فيه تابع للشرع، غيرُ [قاض] (1) باستحالته وتمحيله، بل قد قَطَعَ العقل بصدق الرسل بعد ثبوت المعجزات.
وأما المسئلة السانحة بباله فتُخرَّج على أصلين فعلى أصل المعتزلة فَيَسَعُه ما لم ينظر في المعجزة ويتحقق وجه الإعجاز، ويقطع بصدق النبي صلى الله عليه وسلم-، وتثبت نبوته بتصديق الله إياه بإظهار المعجزة (2) الخارقة للعادة على يده، ولكن ههنا الزام عظيم للمعتزلة على الأشعرية، وهو أن يقول هذا الرجل أعلمُ حقاً أنّي إن نظرتُ في معجزتك وتأملتُها قطعتُ بصدقك، ولكن من أين يجب عليَّ النظر؟ فإن كان بقولك فلا يجبُ عليَّ ما لم أقطع بصدقك، ولا أقطعُ بصدقك حتى أنظر في معجزتك، وقد تكلمنا على هذا الإلزام فيما مضى، وقد أجابت [عنه] (3) الأشعرية أجوبةً وفرضوا فيه أمثلةً (4).
قال الغزالي في الاقتصاد (): فإن لم يكن مُدرَكُ الوجوب مُقتضى العُقول أدى ذلك إلى إفحام الرسول؛ فإنه إذا جاء بالمعجزة وقال انظروا فيها فللمخاطب أن يقول: إن لم يكن النظرُ واجباً فلا أُقدمُ عليه، وإن كان واجباً فيستحيل أن يكون مُدرَكه العقل، والعقلُ لا يوجب، ويستحيل أن يكون مُدرَكه الشرع، والشرعُ لا يثبتُ إلا بالنظر في المعجزة، ولا يجب النظرُ قبل ثبوت الشرع، فيؤدي إلى أن لا تظهر صحة النبوة أصلاً. قال الغزالي: الجواب أن هذا السؤال مصدره الجهلُ بحقيقة الوجوب، وقد بينا أن حقيقة الوجوب ترجيح جانب الفعل على الترك؛ لدفع ضرر موهوم في الترك أو معلوم، وإذا كان هذا هو الوجوب فالموجب هو المرجّحُ وهو الله تعالى؛ فإنه إذا أناط العقاب بترك النظر ترجح فعله على تركه، ومعنى قول النبي واجبٌ أي مرجح بترجيح الله له بربطه العقاب بالترك، وأما المُدرَك فعبارة عن جهة معرفة الوجوب لا عن نفس الوجوب، فيقول النبيُّ الكفرُ سمٌ مُهلك والإيمان شفاءٌ مُسعِد بأن جعل الله أحدهما مسعداً والآخر مهلكاً، ولستُ أوجب عليك شيئاً؛ فإن الإيجاب هو الترجيح، والمرجّح هو الله تعالى، وإنما أنا مُخبرٌ عن كونه سُمَّاً ومرشد لك إلى طريق تعرف به صدقي وهو النظر في المعجزة، فإن سلكت الطريق عرفتَ ونجوت، وإن تركت هلكت ومثاله مثالُ طبيب انتهى إلى مريض مترددٍ بين دوائين موضوعين
(1) ساقط من (ب). (2) في (ب) و (ج): "المعجزات" بصيغة الجمع. (3) ساقط من (ب) و (ج).
(4) ينظر على سبيل المثال الجويني (البرهان، ج 1، ص 12. الغزالي (المستصفى)، ص 82. الرازي، (المحصول)، ج 1، ص 156. الآمدي، الإحكام)، ج 1، ص 74.
(5) الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (ت: 505 هـ)، الاقتصاد في الاعتقاد تحقيق عبد الله بن محمد الخليلي، طا، دار الكتب العلمية - بيروت، (1424 هـ - 2004 م)، ص 102 وما بعدها.
{163)
}