باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

فصل

عقله

وأما من وقع في جزيرة من [جزائر] (1) البحر مولوداً، أو فطيماً، أو مع السباع، أو مع البهائم، فعاش غير صحيح العقل؛ هذا على من ذَهَبَ في العقل مذهب أهل التجارب، وأما من كان (2) يسمعُ الأصوات فعلى مذهب أهلِ المُواضعة يصح عقله، وإن لم يسمع صوتاً ولم ينطق، ومن قال بالتوقيف فهو بالمذهب الأول أشبه (3)، وقال المسلمون من كان على هذه الصفة فصح سَلَكَ سبيل الأولين في التكليف، وإن لم يصح عقله سقط تكليفه، ولا يُعذر أحد في جهالة التوحيد حالةً واحدةً إن صح عقله، وأما من كان على شريعة نبي من الأنبياء فإنه يَسَعَه شرعُه حتى يسمع؛ كما قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَتْهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُون التوبة: 115، فدليل الخطاب في هذه المسألة أنه مقطوع العذر سَمِعَ أو لم يَسْمَع

والهداية ههنا الإسماع، وهذا لمن لم يكن على دين.

الشرح قال المفسر: مراد الشيخ رضي الله عنه- بهذا الفصل الإشارة إلى ماهية العقل (4) وحقيقته، وهل يصح عقلُ من لم يسمع الصوت قط، ولم يخالط العقلاء، ولم يفهم عنهم ولم يفهمهم؟ ومن أين يوقفُ على صحة عقله وتمييزه إلا من المخاطبة والمخالطة، وسبر أخلاقه وتمييز أفعاله؟ ومن أين هذا لمن تربى مع الوحوش في الفلوات، حتى رامها ورامَتْه ()، وَأَلِفَها وَأَلِفتُه، واستوحش من أبناء جنسه ومال طبعه عن طباع البشر إلى طباع السباع والوحوش؟ والطبع

(1) ساقط من (ب) و (ج).

(2) في (ب) و (ج): "وإما إن كان … إلخ" أي أنه أتى بأداة الشرط مكان الاسم الموصول، والمعنى واحد. (3) ذكر صاحب المتن في أول كتاب "العدل والإنصاف" أن العقل قد اختلف فيه على أربعة أقوال: أحدهما: أنه غريزة في القلب يتهيأ بها درك العلوم النظرية والاستدلالية الاختيارية، قال والإشارة في هذا إلى الطبيعة. الثاني: أنه جوهر روحاني بسيط نوراني مركوزة في جبلته العلوم العقلية المنسوبة إليه، الفطرية، يعلمها لا بتعلم ولا تعليم، ولا يتخالجه الشك فيها. الثالث: أنه العلوم العقلية نفسها من الواجبات والجائزات والمستحيلات فعلى هذا القول هو من أفعال القلب. الرابع: أنه

العلوم التجريبية النظرية، وهو من أفعال القلب، غير أن هذه كسب وتلك ضرورة، فالأولان جوهران والآخران عرضان. قال: "والأصح أنه جوهر روحاني بسيط مركوزة فيه علومه الجبلية، ويستعملها للعلوم التجريبية النظرية، وينفرد عن البهائم بذكر ما مضى، وبعلم ما يأتي وما يذر، ويزداد بالتجارب استحكاما". ينظر: الوارجلاني، (العدل والإنصاف)، ج 1، ص 21. وأيضا ما ذكره الغزالي في المستصفى عن حد العقل الغزالي (المستصفى)، ص 37، (4) في (ج): "الإشارة إلى بينة العقل" ويظهر أنه تصحيف.

(5) رَامَ الشيء روماً: طَلَبَه، والمَرَامِ المَطْلب. ينظر: الجوهري، (الصحاح)، مادة "روم"، ص 478. ابن سيده، (المحكم والمحيط الأعظم)، ج 10، ص 334. ابن منظور، لسان العرب)، مادة "روم"، ج 12، ص 258.

{166)

}