تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ١٧٥يسرقُ من الطبع من حيث لا يشعر، ومن أين يكتسبُ مثلُ هذا (1) التَّعَقُّلات، والتخلق بأخلاق العقلاء، وحُسنَ المذاهب التي هي ثمرة العقل وفائدته؟ ألا ترى إلى أولادنا في الصِّغَر كيف نتواضع معهم على أمورٍ نرشدهم بها إلى حُسن المذاهب، وكيف نغرِسُ في طبائعهم (2) مبادئ الأمور التي امتاز بها (3) العاقلُ على الغافل؛ كالتستر والحياء، واجتناب الأنجاس واجتلاب المنافع، واجتناب المضار، حتى تدرَّبوا ومُرِّنوا عليها، وأفادهم التكرار التجارب والخبرة والعلم بحقائق الأشياء، حتى عَرَفوا الفرق بين الماضي والآتي، والواقع والمنتظر، وما يأتون وما يجتنبون، والصديق والعدو، والقريب والبعيد، كل هذه الأمور عقلية، مستفادة من الاعتبار بالمخالطة واستماع الأصوات وإسماعها.
وأما من لم يسمعها أو [من] (4) سَمِعَها ولم يفهمها ولم يفهم بها كالذي يَنعِقُ بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً [صم] ()، فليس هذا بعاقلٍ ولا عقل عنده؛ هذا على مذهب من يذهب بالعقل إلى العلوم النظرية، وعلى قول من يذهب به إلى بعض العلوم الضرورية، وعلى قول من يجعلُ أيضاً العقل قوةً طبيعيةً يفصلُ بها بين حقائق المعلومات وأما على قول] (6) من يجعلُ العقل جوهراً بسيطاً فيصح عقله على هذا الوجه ()، على أنه عندي وإن صح عقله فهو ناقص مطموس، حيث لم يقع له توقيف () من أبناء جنسه ولا مواضعةً معهم، ومن أين يعلمُ أسماء الأشياء ولغات الأجناس إلا بالتوقيف (9) أو بالمواضعة؟ ومثل هذا الذي فرضه الشيخ يسوعُ عقلاً ويمتنع عادةً، وإن وقع نادراً فالحكم فيه أنه غيرُ مكلَّف ما لم نقطع بصحة عقله، فإذا قطعنا بصحة عقله] (10) قطعنا بتكليفه، وألزمناه الحُجَّة، وقطعنا عذره بعد بلوغه، إلا إن علمنا أنه كان على شريعة أودين من أديان
الأنبياء عليهم السلام فهو على ما ذكر الشيخ -رضي الله عنه-، والله أعلم.
(1) في (ج): "مثل هذه التعقلات … إلخ". والصواب "هذا، أي هذا الذي عاش مع السباع والوحوش. (2) في (أ): "وكيف نتفرس في طباعهم".
(3) في (أ) التي يشار "بها" وهذا تصحيف ظاهر.
(4) ساقط من (ب) و (ج).
(5) ساقط من (ج).
(6) ما بين المعكوفين (ب).
(7) سبقت الإشارة عند كلام صاحب المتن عن معنى العقل وحقيقته، والأقوال التي ذكرها صاحب المتن في أول كتاب العدل
والإنصاف.
(8) في (أ): "حيث لم يفصح له "توفيق" ويبدو أن في الكلام تصحيفا.
(9) في (أ): "إلا" "بالتوفيق" وهذا تصحيف كسابقه.
(10) ساقط من (ب).
{167)
}