تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠[الإيمان بالقلب دائم الوجوب دائم التكرار] (1)
مسألة: الإيمان بالقلب مأمور به دائم الوجوب دائم التكرار، إذا كان ذاكراً يجب تكراره سائر العمر، وإن كان ذاهب القلب أعني ساهياً لزمه استصحاب حال الإيمان المتقدم ما لم يخالف إلى ضده، وأما النطق بالشهادة فمرةً في العمر، وإن كان معدوم اللسان من أول الأمر فالرمز والكتابة (2)، وما يقوم مقام النطق من الإشارة، ويجب على العبد النطق وإن كان خالياً؛ لأن الله تعالى تعبده بإظهار الإسلام والشهادة، وهو عنوان الإيمان، لا سيما ومعه الملائكة [يُسمعهم] (3) ويشهدون له ويكتبون له وعليه.
الشرح: قال المفسر: لا يتحقق لك معنى هذه المسألة ولا تفهم مراد الشيخ بها ما لم تحصل معنى الإيمان ومحله، وأقسامه، فإذا فهمت جميع ذلك وحصلته اتضح لك مراده، وذلك أن تعلم أن الإيمان يكون في القلب تصديقاً واعتقاداً وإضماراً، وهو الإيمان العقدي الذي لا يزايله ولا يفارقه ليلاً ولا نهاراً، ولا في النوم ولا في اليقضة، وعليه استدامته وملازمته حتى يخرج من الدنيا، وحقيقته تصديق جازم بالقلب لا تردد فيه ولا شك، وهو الذي يخرجُ منه من جملة المشركين المكذبين والكافرين، ويثبتُ في جملة المصدقين المؤمنين، ولا يفارقه لحظة، فإن فارقه إلى الشك أو إلى التكذيب فقد اتصف بضده ومزايله وهو الشرك؛ لأنه لا يخرج اعتقاد الوحدانية من قلب إلا وهو معتقد ملةً من ملل الشرك، وأما أن يكون غير مؤمن ولا مُشرِكٍ فلا يكون ذلك أصلاً.
قوله: "وإن كان ذاهب القلب"، يعني وإن سها عن تفقد الاعتقاد بقلبه لزمه استصحاب حال الإيمان؛ لأنه قد عَقَدَ ذلك ورَبَطَه في قلبه، ولم يزل كذلك حتى يعقد ضميره على ضد ذلك مما لا يجتمع معه، وأما التلفظ بالشهادة فهو الإقرار باللسان، وهو القسم الثاني من أقسام الإيمان، وهو الإسلام في قول بعض أهل الملة (4)، وذلك أن تعلم أنه وإن كان الإيمان العقدي الذي هو التصديق الحقيقي بالقلب؛ فلا بد عليه من الإقرار والتلفظ، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
(1) العنوان من إضافة المحقق. (2) في (ب): "فالرقم والكتابة". (3) ساقط من (ب).
(4) أي أن التلفظ بالشهادة هو الإسلام في قول بعض المذاهب، وأن الإيمان إنما يكون بالإقرار بالقلب. فمن نطق بالشهادتين فهو مسلم بناء على هذا القول ولو لم يصدق بقلبه، ولا يسمى مؤمنا حتى يتمكن الإيمان من قلبه؛ لأن الإيمان هو التصديق بالقلب. ولعلهم أخذوه من معنى قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم" (الحجرات:14) الآية.
{242 (
}