باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٤٢

المتحرك في الحشا كما فرضناه عليكم في الجواب الثالث؛ فهو بحروف منظومة بكلم مؤلفة كما ذكرنا (1). أو تذهبون إلى العلم وكيفية المعلوم وتصوره في النفس، كما زعمتم قائم بنفس المتكلم؛

وإنما هو راجع إلى العلم الذي هو صفة العالم، وهو ما أوجب لمحله الاتصاف بكونه عالما (2).

وقوله: "وأما من جهة الرمز فقوله عز وجل حكاية عن زكريا عليه السلام: وَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ

ذلك

النَّاسَ ثَلَثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزا آل عمران: 41، والرمزُ هو الإشارة باليد، وقيل بالحاجب، وجميع داخل في معنى الإشارة، وزكريا عليه السلام لا معنى لكلامه إلا أن يكون أمراً أو نهياً أو خبراً أو استخباراً. قال المفسر: حقيقة كلامه قد أخبرنا الله بها في قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ

فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيَّا مريم: 11، فهو أمر لهم بالتسبيح، وهو الصلاة بكرة وعشياً، فناب الوحي والإشارة عن القول باللسان، وفهموا الصيغة والاقتضاء مواضعةً أو توقيفاً؛ سائغ كلاهما. فوجه التوقيف أن يكون ركع وسجد فأشار لهم أن اركعوا كما ركعتُ واسجدوا كما سجدتُ وصلوا كما صليتُ وسبحوا كما سبحتُ، ووجه المواضعة أن يكون تواضع معهم قبل ذلك وقال لهم إني إذا أشرتُ لكم أو رمزتُ لكم بحاجبي أو بعيني أو بيدي فقد أمرتكم وإن لم أخاطبكم بلساني، فقد نابَ العينُ أو اليد عن اللسان، وللسُّنية فيه حجة في كلام النفس، وأن الإشارات والعبارات دلالة على الكلام النفساني، ويلزم من ذلك أن الكلام يكون فى اللسان وفي العين وفي الرأس وفي الرجلين، ولعمري إنه لإلزام وشنعة، ولعل معناه ما قالت المشايخ -رضي الله عنهم-: "الكلام هو "البيان"، فما حصل به البيانُ فهو كلام وخطاب، سواء بالإشارة، أو بالرمز، أو بالقول، أو بغير ذلك، ألا ترى إلى قول الشاعر (3):

أرادت كلاما فاتَّقَت من رقيبها … فما كان إلا رمزها بالحواجب

(1) في (ج): "كما ذكروا ". والصواب كما ذكرنا؛ لأنه في مقابل ما بعده. (2) في (ب): "صفة الاتصاف بكونه عالما".

(3) أنشده القَناني، ولم أتمكن من ترجمته، ونص البيت في الصحاح ولسان العرب كذا: "فقلنا السلام فاتَّقت من أميرها وما كان إلا ومؤها بالحواجب". ينظر: الجوهري (الصحاح)، مصدر سابق، مادة "وماً"، ص: 1271. ابن منظور، (لسان

العرب)، مصدر سابق، مادة "وماً"، ج:1، ص: 201.

{34 (