تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٧٦مسألة
اختلف الناس في المعدوم؛ هل هو مأمور على الحقيقة أم لا؟ قالت القدرية لا يجوز أمر المعدوم، لا بشرط وجوده ولا بغير شرط وجوده (1). وقالت الأشعرية أمرُ المعدوم صحيح جائز بشرط وجوده يوماً ما أو (2) بشرط وجود من يُبلغه إذا وُجد (3)، واستدلوا بظاهر قوله: {يَأَيُّهَا النَّاسُ *
البقرة: 21، يَتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} البقرة: 104، وأمثالهما، فكما لزمتهم الأسماء لزمتهم الأوامر، فالإنسان الذي يوجد بعد مائة عام هو إنسان الآن، وأنه مأمور الآن، واستدلوا بأن الله تعالى أنزل كتاباً وخطاباً، وهو صفة في ذاته، والله تعالى آمِرٌ لم يزل وناه لم يزل، وقد أمرهم ونهاهم في الأزل، كما تقول عَلِمَهم في الأزل وقَدَرَ عليهم، وسلك المسلمون طريقة بين بين، فوافقوا المعتزلة في خلق الأمر والنهي، واختلفوا معهم في أنه آمِرٌ [لم يزل] (4) وناه لم يزل، فمنعته القدرية وجوزه المسلمون، ووافقوا الأشعرية في أنه آمرٌ وناه [لم يزل])، وخالفوهم في أن الأمر والنهي صفتان، وخالفوهم في أن الله تعالى أمرهم ونهاهم لم يزل، فالمسلمون جوزوا على الله تعالى أنه آمرٌ وناه لم يزل، وأبطلوا أنه أَمَرَ ونهى، كما جوزوا عليه أنه خالق لم يزل
(1) رأي القاضي عبد الجبار المعتزلي وكذا أيضا وجدت في المعتمد لأبي الحسين البصري القول بعدم استحالة أمر المعدوم بشرط وجوده، بمعنى أنه إنما يكون أمرا له عند وجوده ونص عبارة صاحب المعتمد قال: "على أنا نقول: إن الله يأمر المعدوم بشرط أن يوجد، ونعني به أن الأمر الذي صدر من الله تعالى أمر له عند وجوده، أو إذا وجد، هذا ليس بمحال". ينظر: عبد الجبار، (شرح) الأصول الخمسة، مصدر سابق، ص 410. أبو الحسين البصري (المعتمد)، مصدر سابق، ج 1،
ص 151.
(2) كذا، بحرف العطف "أو" التي تفيد التخيير، والصواب وبشرط وجود من يبلغه … إلخ، فلا بد من اجتماع الشرطين معا، وسيأتي في الشرح تفصيل أكثر للمسألة.
(3) اشترط الأشاعرة لصحة التكليف بالمعدوم شروطا منها ما ذكره المصنف ومنها أن يكون المعدوم بعد وجوده مستجمعا لشرائط التكليف، ومسألة تكليف المعدوم من المسائل التي كثر فيها النقاش بين المتكلمين، واختار الآمدي في الإحكام أن تكليف المعدوم نعم يسمى أمرا ولكن لا يسمى خطابا. ولمزيد من التفصيل ينظر: أبو الحسين البصري، (المعتمد)، مصدر سابق، ج 1، ص 151. الجويني، (البرهان)، مصدر سابق، ج 1، ص 91. الجويني، (التلخيص)، مصدر سابق، ج 1، ص 450. الغزالي، (المستصفى)، مصدر سابق، ص 111. الغزالي (المنخول)، مصدر سابق، ص 124. الرازي، (المحصول)، مصدر سابق، ج 2، ص 255. الآمدي، الإحكام) في أصول الأحكام)، مصدر سابق، ج 1، ص 122. الطوفي، أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي (ت: 716 هـ)، (شرح مختصر الروضة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط 2، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودية، (1419 هـ 1998 م)، ج 2،
ص 419. (4) ساقط من (ب) و (ج). (5) ساقط من (ب) و (ج).
{
}