باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف لأبي القاسم البرادي (تحقيق) محبوب بن يعقوب بن سالم البراشدي

تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف

الجزء ١ · صفحة ٨١

غداً"، فإذا تُصوّر تعلُّق الأمر بمأمور به معدوم فليتعلق بمأمور معدوم بشرط وجوده، وانتصر للأشعري أيضاً على أبي المعالي بأن التابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين مأمورون بأمر النبي عليه السلام، وهو صلى الله عليه وسلم قد قضى نحبه ولقي ربه، فإذا أمكن كون الأمر معدوماً فليمكن كون المأمور معدوماً. فأجاب أبو المعالي أيضاً عن هذا الانتصار بأن كون الأمر معدوماً محال عند سائر العقلاء، فلا يقاس عليه أمرٌ يجوز عند قوم دون قوم، وأيضاً فإن النبي عليه السلام ليس هو الأمر على الحقيقة وإنما هو ناقل أمر ربه، والأمر (1) على الحقيقة هو حي لا يموت. هكذا احتجاج أبي المعالي على شيخ جماعته وتعقبه عليه.

قال المفسر: أوردتُ هذا الكلام ليحقق المفيد والمستفيد أن حقيقة ما رجع به الشيخ على الأصحاب هو حقيقة مذهب الأشعري ومعنى كلامه، وما رجع به (2) أبو المعالي على شيخ جماعته هو حقيقة مذهب أشياخنا القدماء أبي خزر (3) وأبي نوح (4) وغيرهما، وهو حقيقة مذهب القدرية في هذه، وقد بسطتُ القول حتى لا يبقى على المفيد إشكال ولا على المستفيد تردد وحيرة، والله الموفق وهو العالم القدير، وقد استدرك بعض الأشعرية على أبي المعالي في رده على الأشعري شيخ الجماعة، فقال بعد كلام فالباري" سبحانه يعلم في الأزل وجود المأمور، ويعلم ما يقتضيه منه من الأفعال إذا وجد وما يزجره عنه، و [هو] () يقول قولاً كذلك متعلقاً بما تعلق به علمه، من غير تبدل في صفة القول؛ كما لا يُثبت الجميعُ التبدل في صفة العلم (6)، والقاطع بوجود الموقن بوجوده حتى كأنه يراه يصير ذلك الشيء في حقه كأنه موجود مشاهد، ولا يُستنكر تعلق الأمر بهذا المأمور على هذه الصفة، إذا فرضنا أن جميع الموجودات كأنها كالحاضرة بين يدي الله تعالى بحق إيجابنا الإحاطة بكل معلوم، فهذا معنى قول الشيخ فالإنسان الذي يوجد بعد مائة سنة هو إنسان الآن وهو مأمور الآن"، فافهمه وتدبره، فمن ههنا قالت الأشعرية أن الله أنزل كتاباً وخطاباً، وهو صفة

(1) في (ج): والرب" والأمر على الحقيقة … ". (2) في (أ): "وما رجع إليه".

(3) يغلا بن زلتاف الوسياني، أبو خزر (ت: 380 هـ)، من كبار علماء الإباضية، برع في علم الكلام، أصله من بلاج الجريد بالجنوب التونسي، من تلاميذه: أبو نوح سعيد بن زنغيل، وأبو زكريا فصيل بن أبي مسور، كان لأبي خزر نشاط سياسي وعسكري، قاد ثورة مسلحة ضد جور العبيديين، وأخرى لقتال المعز الفاطمي، ثم استقر في مصر وبها توفي، له كتاب: الرد على جميع المخالفين. ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، مصدر سابق، ج 2، ص 340. الشماخي، (السير)، ج 2، ص 33. الجعبيري، د فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة الإباضية)، ط 2، مكتبة الإستقامة مسقط، (1425 هـ 2004 م)، ص 112. محمد بن موسى بابا عمي وآخرون، (معجم أعلام الإباضية قسم المغرب)، (الترجمة: 1039)، ج 2، ص 477.

(4) سعيد بن زنغيل، أبو نوح (ق:4 هـ)، سبقت ترجمته.

(5) ساقط من (ب) و (ج). (6) في (ج): "كما" لم يثبت الجميع التبديل في صفة العلم".

73

}