تحقيق باب الأمر والنهي من كتاب البحث الصادق والاستكشاف
الجزء ١ · صفحة ٨٣فصل
قال الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف - رضي الله عنه (1): " إن قال قائل ما معنى (أَمَرَ اللَّهُ بهذا؟ قيل له خَلَقَ الأمر به لا من أحد، وكذلك النهي، وقيل له (أَمَرَ اللهُ) أي خَلَقَه في عينه أمراً لا من أحد، وكذلك قولنا طاعة الله ومعصيتُه أي خَلَقَ الأمر بها والنهي عنها لا من أحد، ومعنى قولنا (لا) من أحد أي لا فعل لأحد في أمره ونهيه، وقولنا (لا) من أحد) تقييد؛ لئلا يكون كل أمر خلقه الله أمراً له، ويقال لأمر النبي عليه السلام أمرُ الله، ولنهيه نهي الله، أي عن أمر الله كان، وعن نهيه كان". واحترز الشيخ في أمر النبي عليه السلام ونهيه ولم يُطْلِق أنه أمرُ الله إلا بتقييد، وماذا عليه لو أَطْلَق، فإن أمر محمد ونهيه هو أمرُ الله ونهيه على الحقيقة؛ لأنه خَلَقَه وأَمَرَ به، وإنما يُتوقى ما خلقه ولم يأمر به، وأما ما خلقه وأمر به فلا، وكذلك كل مَن أَمَرَ بالطاعة التي أَمَرَ اللهُ بها، أو نَهَى عن المعصية التي نَهَى اللهُ عنها، فإن أَمْرَه ونهيَه هو أَمرُ اللَّهُ مطلقاً لا مقيداً في أعينهما، وقد خَلَقَ وأَمَرَ ونهى، فاجتمعت العلتان. وسُئِل عن محل الأمر والنهي، فقال: حيث أراد الله وشاء"، وبهذه العلة تعلقت الأشعرية وجعلت الأمر والنهي صفات الله، وكذلك كلام الله؛ لأنه لا يخلو الأمر والنهي والكلام أن يكون حالاً في المأمور والمنهي والمخاطب بالكلام، فيكون هؤلاء أولى أن يكونوا آمرين ناهين متكلمين منهم أن يكونوا مأمورين منهيين مخاطبين، ولما لم يكن الله تعالى محلاً للحوادث وبطل أن يكون الأمر حالاً في المأمور صح أنه صفة الأمر لا فعله، وكذلك النهي والكلام. قلنا وليس في جهلنا بمحل الأمر والنهي والكلام ما يُثبت أنها صفات الله سبحانه (2)، وعلى المتقول الدليل، والخلْقُ كله بعضُه محلّ لبعض، ولو سئلوا عن الروح لما أمكنهم فيه كلامٌ إلا أن يتقولوا على الله فيما ردَّ علمه إليه، وهم يقولون بخلقه (3). وأما معنى قول الشيخ "إن الله أَمَرَ بهذا أي خلق الأمر به لا من أحد" لم يوف بشروط النسبة، وكذلك قوله: " ما معنى قوله: {فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ الأنعام: 149، أي خالقها ومالكها"، فقد أجاب بأمر يشمل سائر الخلق، وبَقِيتُ الفائدة التي بها سُمّيت الحجة بالغة، والغرض الذي ذُكِرَت به ههنا بلاغها وبلوغها (4)، فبلاغها بياتُها، وبلوغها قيامها على العبد بما يقطع العذر ويوجب الأمر.
(1) نقل كلام أبي الربيع من التحف المخزونة مختصرا، ينظر: أبو الربيع التحف المخزونة)، ص 314، 315. (2) في (ج): " أنها صفات الباري سبحانه على المعقول"، والظاهر أن قوله "على المعقول" أدرجت في الكلام خطأ. (3) في (ج): "وأنا وهم يقولون بخلقه".
(4) ساقط من (ب) و (ج).
﴿vo﴾