الإباضية في موكب التاريخ - الحلقة الثالثة: الإباضية في تونس علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ - 2 - تونس لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ١٦٨

وكان قادة الفتح في العهود الأولى لا يهتمون بمظاهر السلطة، ولا يميلون إلى التحكم أو النفوذ، وإنما كل ما يعنيهم هو نشر الإسلام وأمن الدعوة إليه، فحيثما تحفف ذلك ترك أهل البلد وشأنهم، ولذلك فما افتتحوا الجزيرة، وأيقنوا أن أهلها قد نبذوا الوثنية، واسلموا أمرهم لله، حتى تركوهم لشأنهم، ووجدت جربة نفسها وهي تعيش في ظل الإسلام إنها قد ارتاحت من عنت الكفر، ومن طغيان الرومان الذين كانوا يتحكمون فيها تحكم المستعمر الباغي، فحافظت على الإسلام والسلام، واستمرت على هذه الحالة الهادئة إلى أواخر القرن الثاني حين انضمت إلى الدولة الرستمية ودخلت تحت رعايتها، واحتمت بجناحها، ومن أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الثالث لم تختلف الأحوال كثيرا على جربة، فقد بقى فيها النظام الإسلامي، وكان علماؤها يحرصون على تطبيقه، وكل ما حدث من فرق أن الأوامر في العهد الرستمي كانت تنفذ باسم الإمام، وإن الأعمال كانت تقام باسم الدولة، ولقد نتج عن هذا الاستقلال والاستقرار في الجزيرة نتائج أتت بثمار طيبة، فقد اهتم الناس فيها بالدراسة ونشر العلم وبث المعرفة، فنبغ علماء فحول في هذا العصر كانت لهم اليد البيضاء على توجيه الناس من الناحية الدينية والإجتماعية والخلقيو والسير بهم في المنهاج الإسلامي للحياة البشرية، وتكونت عدة مدارس حافظت على التراث الإسلامي المجيد طيلة قرون طويلة، ونستطيع أن نعتبر الفترة الأولى من تاريخ جربة التي تمتد ما بين 47 و 300 فترة استقلت فيها جربة استقلالا كاملا لمدة قرن ونصف وكانت تابعة للدولة الرستمية لمدة قرن، وكان عهدها في هذه التبعية شبيها بعهود الاستقلال لأنها كانت تتمتع بجميع المزايا التي تكفلها نظم الحكم الإسلامي حين يقام لأمه مسلمة، صان الإسلام دماءها وأموالها وأعراضها، واتاح لها من فرص الحياة الكريمة ما يسر لها أن تعيش حرة سعيدة، دون أن تكون خاضعة للأهواء البشرية، التي تفرضها غطرسة

١٦٨ / ٣٥٥