إرشاد السالك إلى أقصد المسالك سليمان بن راشد بن مسلم الجهضمي

إرشاد السالك إلى أقصد المسالك

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلا بل المشهور عنها أنها مذهبة للبركة وممحقه لها فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه من مزيل البركة وما حقها الثاني عشر أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال عموما وبيته الحرام خصوصا الذي جعله قياما للناس مباركا وهدى للعالمين فلو لم يكن في الأرض الا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفا وفخرا علي النار الثالث عشر أن الله تعالى أودع الأرض من المعادن والأنهار والعيون والثمرات والحيوانات والأقوات والجبال والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئا منها فأي روضة وجدت في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين جرارة أو نهر مطرد أو ثمرة لذيذة الرابع عشر أن غاية النار أنها وضعت خادمة لمن في الأرض فالنار أذن محلها محل الخادم لهذه الأشياء فهي خادمة فقط اذا استغنيت عنها أبعدتها وطردتها واذا احتجت اليها استدعيتها كما يفعل المخدوم مع خادمه الخامس عشر أن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى أن صورة الطين تراب ممتزج بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله منه كل شئ حيا والتراب الذي جعله الله تعالى خزانة المنافع والنعم هذا وكم يجئ من الطين من المنافع والأمتعة فلو تجاوز نظره الى بدايته لرأى أنه خير من النار وأفضل ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل أن النار خير من الطين لم يلزم من ذلك أن يكون المخلوق منها خيرا من المخلوق من الطين فان القادر على كل شئ يخلق من المادة المفضولة من هو خير من خلقه من المادة الفاضلة باعتبار تكامل النهاية ولا ينقص المادة فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها الى كمال الصورة ونهاية الخلقة والله أعلم.

- 17.