منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨منهج الدعوة عند الإباضية. يأخذ أية أجرة على وظيفته أو مهمته بالمجلس، والمجتمع الإباضي في كل قرى الوادي يتمسك بهذا الشرط أيما تمسك حتى لا يتقدم إلى وظائف
(1)
المسجد إلا كل نزيه ورع كفء لا يرغب في هذه الوظائف السامية لأمر دنيوي أو كسب مادي أو سمعة أو جاه أو نفوذ. ودفعاً للحاجة المادية فإن الذي ينضم إلى المجلس الديني يتطلب فيه أن يكون صاحب عمل أو حرفة حرة، فأعضاء العزابة كلهم يكسبون قوتهم من كد يمينهم فترى فيهم الفلاح، والتاجر، والعامل، والمعلم. واعتمادهم على أنفسهم في كسب القوت يضفي على مهمتهم الدينية صفة النزاهة والقناعة والتعفف وإخلاص العمل الله وحده، كما أن اشتغالهم بهذه الأعمال يجعلهم أدخل في الحياة الاجتماعية، وأكثر احتكاكاً بفئات الشعب في حياته اليومية، وهذا ما يساعدهم على معايشة واقع الناس وإدراك مشاكلهم، وتحليل قضاياهم والحكم على آرائهم ومواقفهم، ثم إن هذا الشرط يقدم من العزابي الدليل العملي الواضح لنزاهة المقصد وقدسية الرسالة، ويضع أمام الناس المثال الحي لما يجب أن يكون عليه المرء من الاعتماد على النفس، وأخذ الحياة من جانبها العملي وفهم الإسلام من رؤية حركية ديناميكية كما تأمر بذلك الشريعة السمحاء، وقد وقف المفكر الإسلامي مالك بن نبي حين زار وادي ميزاب سنة 1968 أمام هذه الظاهرة وقفة المتأمل الذي يتعمق الأشياء ويرجع بها إلى أصولها الإسلامية وأرضيتها الأصيلة الصلبة، فربط بين التكافل الاجتماعي الذي يسود المجتمع الميزابي وبين ظاهرة العمل التي يقول عنها أنها القاعدة الأساسية التي تحكم هذا المجتمع الإسلامي، وذلك حيث يقول: «في هذا المجتمع كل فرد يعمل
1
1 - ينظر للتوسع محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 195.
-278 -