منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٨٢منهج الدعوة عند الإباضية -
وقع بها من سفك دماء المسلمين، ورأى القتلى من أهله وعشيرته بالآلاف (1) ازداد يقيناً بأنَّ الغلو في فهم الأمور يؤدي بالأطراف المتقاتلة إلى
ما لا تحمد عقباه.
وعلى الرغم من قناعته بموقف الرافضين للتحكيم إلا أنه لم يرض بحال أن تؤول حال المسلمين إلى ما آلت إليه من تقاتل وتدابر واستحلال ما حرم الله من نفس ومال.
لذا فإنَّه مضى بعد انتهاء معركة النهروان عائداً إلى البصرة، حيث كانت قبيلته تميم، وكان بها الأحنف بن قيس أحد الوجهاء والزعماء وأحد القادة المجاهدين، إذ يقال إنَّه هو القائد الذي فتح جمهوريات الاتحاد السوفياتي الوسطى (طاجكستان حاليا).
وكان يميل إلى رأي المحكمة موافقاً على مسلكهم وخطتهم، فأوى إليه أبو بلال، وأتباعه، فأسبغ عليهم حمايته، وقد أتاحت لهم هذه الحماية الفرصة لنشر دعوتهم المتميزة بالاعتدال والدعوة بالحسنى، مما جذب إليه الأنصار والأتباع، وكانت لأبي بلال علاقة حميمة بجابر بن زيد، ويقال: إنه كان يستشيره في خططه، وكانا يخرجان معاً من البصرة إلى مكة لطلب العلم من الصحابة (2)
وقد تزايد عدد أتباعه حتى لقد ابتنوا لهم مسجداً خاصاً بهم! البصرة، ولم يكن أمرهم بطبيعة الحال خافياً على زياد الطاغية والي البصرة، ولكنه هادنهم لرأي رآه والخطة محكمة ينسجها، ثم إنَّ ميلهم إلى الاعتدال
1 - يقدرهم بعض المؤرخين بعشرين ألفاً ولكن العدد الصحيح يبقى مجهولاً. 2 ينظر في هذا الشأن الرقيشي: مصباح الظلام (مخطوط) ورقة 19. والدرجيني: طبقات
ج 2 ص 88. الحارثي: العقود الفضية، ص 157.
-
- 82 -