منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٨٩منهج الدعوة عند الإباضية.
أثر استشهاد أبي بلال في الدعوة من بعده:
كان لمقتل أبي بلال على أيدي الأمويين الجورة صدى عميق في نفوس أتباعه وأثار الأحقاد والترات في نفوس الشراة، وعزموا على الانتقام له والثأر من قاتليه، كما انبرى شعراء الخوارج يمدحونه ويعدونه من أبطالهم ورموزهم، وأصبح مرداس مثالاً للثبات والإيمان والصمود أمام الباطل، فلم يكن من السهل أن يترك الشراة دمه يذهب هدراً، ولذلك صمموا على الانتقام من عباد بن علقمة المزني قائد الجيش الذي أباد أبا بلال وأصحابه، ومنذ ذلك أصبح الاغتيال السري وسيلة من وسائل الدفاع والشراء معاً، ولم يكن منه بد أمام ازدياد ملاحقة ابن زياد وتنكيله الشديد بالشراة، فقد ازدادت نقمته عليهم، فرج قسماً منهم في السجون، وقتل عدداً آخر بطرق فظيعة منهم أخو أبي بلال عروة بن أدية التميمي.
و تورد المصادر الإباضية وغير الإباضية ما جرى من تمثيل وصلب وتعذيب للشراة في سجون ابن زياد مما جعلهم يدخلون مرحلة جديدة من مراحل الكفاح، وهي مرحلة الكتمان حفاظاً منهم على مسيرة الدعوة، ووحدة الصف واستمرار الجهاد إلى أن يأذن الله بالنصر
والظهور.
وقد ذكرت كتب غير إباضية واعترفت أنَّ أبا بلال كان ينتقد الاستعراض، ويتبرأ من أصحابه، ولم يتفطن إلى هذا التفريق والتمييز سوى بعض الكتاب المحدثين المنصفين بالنظرة الموضوعية. وقد أشار الدكتور نعمان القاضي إلى موقف أبي بلال بهذه النظرة الفاحصة، حيث تكلم عن حركات الخوارج في البصرة فقال عمن تميز منهم بالاعتدال قائلاً: «وكان الشرفاء من الخوارج أمثال أبي بلال يتبرؤون منهم ويسخطون
-
- 89 -