منهج الدعوة عند الإباضية - ط. مكتبة الاستقامة
الجزء ١ · صفحة ٩٠منهج الدعوة عند الإباضية -
عليهم … » (1).
والحق إن كتب التاريخ قد تذكر أعمال الخوارج باستنكار شديد، وتحامل ظاهر، ولكن بعضها لا يمر على بعض المواقف الإنسانية مرور الكرام لأنَّ ما في هذه المواقف من أخلاق سامية، وعظات بالغة، تنتزع
الإعجاب انتزاعاً، وتملك على المسلم حنايا نفسه وتملؤها حدباً وعطفا. يذكر الطبري أنَّ عبيد الله بن زياد قبض على مرداس أبي بلال، وأودعه السجن، ولكن السجان رأى عبادته وصلاحه، فكان يأذن له في مطلع الليل فينصرف إلى داره ويعود إلى السجن في مطلع الفجر دون أن يعلم ذلك أحد، وكان لعبيد الله بن زياد جليس على صلة صداقة بمرداس، فسمع هذا الجليس من ابن زياد ذات ليلة أنه ينوي قتل من بالسجن من الخوارج إذا أصبح، وصدرت الأوامر للسجان بتقديمهم صباحاً إلى السياف، فعرف مرداس وهو في بيته ذلك الخبر من جليس ابن زياد، وقيل لمرداس: انج بدينك ولا تعد إلى السجن، قال مرداس: إني أكره أن أواجه ربي غادرا. وعزم على أن يعود في مطلع الفجر كعادته. أما السجان فأمضى ليلة سوداء إشفاقا من أن يعلم مرداس الخبر فلا فلما كان الوقت الذي يرجع فيه، إذا به يعود، فقال له السجان بعد أن شمله السجن: هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: ثم غدوت؟ قال: نعم، ولم يكن لي أن أخون ولا أن أقابل إحسانك لي بفرار تعاقب
أنت بسببه.
يرجع.
وفي الصباح جلس ابن زياد، وقدم الخوارج للموت، حتى جاء دور مرداس فوثب السجان وكان ظئراً لابن زياد، وأخذ بقدمه وقال: هب لي
-1 الفرق الإسلامية في العصر الأموي؛ ص 407.
- 90 -