فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٠٣

بسم

الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي تفرد بالوحدانية، وعز وتكبر ذو القدرة الالهية والحكمة، الذي كتب على نفسه الرحمة، وكشف عن عباده النقمة، يعلم بخواطر القلوب وخفيات سرائر العيوب، وحوادث حركات السرائر، ودقائق مبديات الضمائر، الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء ﴿وَمَا يَعزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (1)، ولاتخفي عليه خافية في ظلمات البحور ومتلاطمات الماء ﴿وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (2)، يعلم ماكان ومايكون ومالم يكن ان لو كان كيف كان يكون حتى أضاء كواكب التوحيد بسماء قلوب أوليائه، وجمع لؤلؤ التصديق بأصداف خواطر أحبائه، وأمطر أسحب الاخلاص بجنان حزبه وقلب قلوب القراء بقالب قربه، لا قرب مسافة ولا بعدها، بل قربه للأشياء علمه وقدر له، وكذلك قربه لجميع العباد، لكن حزبه قربهم أي اجتباهم ورحمهم وهداهم هدى السعادة. وأما قوله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ (3)، روي في الحديث أن بعض الصحابة سالوا النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فقالوا: «أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟»، فانزل الله عز وجل هذه الآية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيب وذلك أنه قريب منهم بالعلم لا قرب مسافة، وقال عز وجل في آية أخرى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ﴾ (4)، أي ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب اليه من حبل الوريد، وحبل الوريد مثل في القرب، قال الشاعر:

والموت أدنى إلى من الوريد

والحبل العرق، واضافته للبيان، والوريد عرقان مكتنفان بصفحتي العنق، في مقدمها، متصلان بالوتين يردان من الرأس اليه. وقيل: سمي الوريد لأن الروح ترده، والله أعلم.

فصل

فنحن نصف ربنا كما وصف به نفسه ونوحده كما أمر في كتابه

و دائنون الله بأداء جميع الفرائق التي لا يسع جهلها والتي يسع جهلها، مع

(1) سورة يونس: 61.

(3) سورة البقرة: 186

(2) سورة الأنعام: 59.

(4) سورة ق: 16.

- 103 -