فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩

م الله الرحمن الرحيم

الله

الحمد لله الذي جعل النكاح إحصانا للفرج، ومحيلة للدخل والخرج، ودرجاً يُعْلَى عليها إلى دار العمار، وزينةً يُتحلى بها في مقام المعايش للماليك والأحرار، فقال تبارك وتعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ (1) أي المشتهيات، سماها شهوات مبالغة على أنهم انهمكوا في محبتها حتى اشتهوها. والمزين هو عز وجل لأنه هو الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاء، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية، إذا كان على وجه يرتضيه الله عز وجل ولأنه من أسباب التعايش وإبقاء النوع، وقيل غير ذلك. ونظير هذه الآية قوله تبارك وتعالى قصة عن سليمان بن داود صلى الله على نبينا وعليهما وسلم فَقَالَ إِني أَحبَبتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكِر رَبِّي حَتَّى توارت بالحجاب (2) آثرت حب الخير، وأراد بالخير الخيل والعرب [تسميها كذلك]. وتعاقب بين الراء والسلام فتقول: خَتلت الرجل وخترته أي خدعته. وسميت الخيل خيراً لأنه معقود بنواصيها الخير أي الأجر والمغنم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» (3). وكان السبب في ذكر هذا الخبر في الآية التي من قبل هذه، إذ عُرِضَ عَلَيهِ بِالعَشَيِّ الصَّافِنَاتُ الجياد. قيل: غزا سليمان بن داود عليه السلام دمشق، ونصيبين (4)، فأصاب منهم ألف فرس، وقيل: ورثها من أبيه داود عليه السلام، وقيل كانت خيلاً أخرجت من البحر. فلما صلي سليمان بن داود عليه السلام الصلاة الأولى، وهي أظن صلاة الظهر، قعد على كرسيه وهي تعرض عليه فعرضت عليه تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غُربت وفاتته الصلاة ولم يُعلم بذلك هيبة له، فاغتم لذلك؛ فقال: «ردُّوها علي» فرَدُّوها عليه، فأقبل يضرب سوقها (5) وأعناقها بالسيف تقربا إلى الله، وطلبا لمرضاته، حين

(1) سورة آل عمران: 14. (2) سورة ص: 32.

(3) أخرجه البخاري في المناقب، ومسلم في الزكاة والأمارة، وأبو داود في الجهاد وابن ماجه في التجارات والجهاد، والدارمي في الجهاد والموطأ في الجهاد كذلك.

(4) نصيبن: مدينة فيما بين النهرين على نهر (جغجغ)، اشتهرت قديماً بمدرستها السريانية. (د) قال القطب في التيسير سوقها جمع ساق أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى الله تعالى.

9 -