الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٧بيت الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الوصايا طهارة للتبعات وفضيلة للقربات، ووسيلة للمتاب، وسلمها للكتاب. ولم يترك خلقه سدى، بل جعل لهم في ثلث مالهم الوصية بدأ، إباحة منه لهم وفضلاً وتكريما لئلا يقعوا في العصيان، وينقلبوا خاسرين، بالذنوب والعميان. فقال عز من قائل: كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إن ترك خيراً الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَين والأقربينَ) (1) أي فرض عليكم إذا نزل بأحدكم سبب الموت، مثل العلل وغيرها، وكان ذا مال الوصية للوالدين والأقربين، مرفوع بكتب وذكر فعلها للفضل. وقيل مبتدأ خبره للوالدين، والجملة جواب الشرط باضمار الفاء، كقوله من يفعل الحسنات الله يشكرها وفي الحديث: كانت فريضة في بدء الإسلام والوالدين والأقربين على من مات وله مال، ثم نسخت بآية الميراث (2). وقيل: أنها منسوخة لأن النسخ حكمه أن يرفع مانسخ عنه، وإنما هذا. صح منع الوصية لأجل الإرث إذا كان قرابته وارثين لا تصح لهم الوصية، لنهي النبي. فلو كانت منسوخة لما كان حكمها يتوجه إلى أباحته والله أعلم.
L
لانه روي عنه أنه قال: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (3) وقول عز وجل: * بالمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى المُتَّقِينَ (4). أي يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث، ولا يوصي للغني دون الفقير إلا إذا كان عليه تبعة لغني، وينبغي أن يوصي لقرابته قبل سائر الفقراء. ونصب حقاً على المصدر، أي حق ذلك حقاً، أو المفعول الثاني أي جعل الوصية حقا. وأصل الوصية واجبة على أولى الأموال لقوله عز وجل: إِن تَرَكَ خَيراً *. قال الشاعر سعيد بن غانم: لقد كتب الله الوصايا على أولي السعات وكانت للعُصاةِ جَهَنَّمُ السعات (3) جمع سعة، وقد اتيت على ذكره في غير هذا الموضع. وأما العصاة فجمع
(1) سورة البقرة: 180.
(2) انظر وباب في نسخ الوصية للوالدين والأقربين في كتاب الوصايا من سنن أبي داود.
(3) أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عنه قال: ولا وصية لوارث. وانظر البخاري باب ماجاء لا وصية لوارث ه في كتاب الوصايا، وكذا أبو داود. وغيرهم.
(4) سورة البقرة: 180. (3) السعات: الخير والحسنى.
- 217 -