الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٥الحمد لله الذي جعل الحدود رادعة عن بأس التعدي والظلم، قامعة لأهل الفسوق والجرم، دافعة بأس المعتدين مساوية بين المقلين والمكثرين. ولولا ذلك لأكل الناس بعضهم بعضا، ولفسدت الأرض والديار، ونفدت الأعمار، ولكان كل من غلب صاحبه أن يقتله، ويتعدى عليه ويظلمه، ولكن الله من على عباده بإقامة الحدود، والقصاص، من كل باغ عتود. لقوله عز وجل: {ولكم في القصاص حياة يا أُولي الألباب) (1) كلام في غاية الفصاحة والبلاغة. من حيث جعل الشيء محل ضده، وعرف القصاص، ونكر الحياة، ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيما، وذلك أنَّ العلم به يردع القاتل عن القتل، فيكون سبب حياة، تفسير: ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد، فتثور الفتنة بينهم. وإذا اقتص من القاتل سلم الباقون، ويصير ذلك شيئا لحياتهم. وعلى الأول فيه اظهار، وعلى الثاني فيه تخصيص. وقيل: المراد بالحياة الأخروية، فإنَّ القاتل إذا اقتص منه في الدنيا، لم يؤاخذ به في الآخرة. ولكم في القصاص، يحتمل أن يكون خبراً من الحياة، وأن يكون أحدهما خبراً، والآخر صلة له، أو حالاً عن الضمير المتسكن فيه.
،
وقريء في القصص أي فيما قص عليكم من حكم القتل، حياة أو في القرآن حياة المقلوب. وأما أولو الألباب هم أصل العقول الكاملة، وهو جمع لب، وهم بضم اللام وتشديد الباء وكذلك لب النخلة مثله. وروي في الحديث أن ابنة امرئ القيس جاءت إلى النبي. فقالت له ما أحسن قول ربك أم قول أبي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماقال أبوك؟ فقالت شعراً:
وبالقتل ينجو من يخاف من القتل (2) بسفك الدماء ياجارتي تحقن الدما قالت: وما قال ربك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَكُم فِي القِصَاصِ حَيَاةً يَا أُولِي الألباب، فقالت: «قول ربك أحسن ورب الكعبة. فانظر كيف كان من عاقبة أمرها، والله الموفق إلى طريق الحق والصواب.
(1) سورة البقرة: 179
(2) وفي رواية: وبالقتل تنجو كل نفس من القتل، وهذا أنسب للمقام لأنه مقام قصاص.
- 355 -