الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٣بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي غرس لينة اللين بمقد القلوب (1)، وحملها قنوان القناعة مع حسم كبائر الحوب (2)، حتى سقاها بزلال الزهادة والقبول، وأوردها من رواء الرعاية وتذكار أركان العقول، فمع ذلك غردت حمام الحماية والولاية بسعفها المضيء لهواء الصدور، و طحطحت (3) أركان الكدورات بعدما لمعت بوارق الصلاح والسفور، ونقنق (4) هصور (5) اصرارها محقحقا (6) بعدما حملقت (8) مقامع الفلاح تقمع، فعمد بعد ذلك المؤمنون ليلبسوا جيد صدورهم سموط الطاعة والسمع، ويجبوا من شباك الشك خيوط الخطا في الخلوات والجمع، ويقعدوا بحدائق الاحسان على سرير المسرة ليجعلوا سين المسرة بدلا من ضاد المضرة حتى اطمأنوا مع ذلك في قرار قراءة القرآن، وطاطأوا رؤوسهم الطاعة الرحمن، وتولوا بعضهم بعضا ولاية الايمان، طول الدهور والأزمان، الا أن يبدو من أحدهم حدث الكفر والطغيان، فيخلعوه بعد استتابة وبيان ورده عن الدين والاسلام واصرار على المكفرات والآثام، وقد أمرهم الله بعداوة من كان كذلك لقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءَ) (9)، أي لاتعتمدوا عليهم، ولا تعاشر وهم معاشرة الأحباب. وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاعْلُظ عَلَيهِم (10)، وقال تعالى في موضع آخر: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾ (11). وكثير مثل هذا تركته خوف الاطالة.
(1)
فصل
وأصل الولاية والبراءة فريضتان من فرائض الله عز وجل، ثبتتا من
مقد القلوب: في كتب اللغة، المقد: الطريق والمكان المستوي.
(2) الحوب: الاثم والظلم
(3)
طحطحت: كسرت وفرقت وبددت أهلاكا.
(4) نقنق: غار، وهي من نق الضفدع: صوت. هصور: كثير الحصر، وهو الجذب والاماله والكسر
(0)
(1)
محقحقا: اسم فاعل من حقحق: سار سيرا رفيعا متعبا للظهر العشعثة: اللين من الأرض ظهر كثيب لانبات فيه
حملقت: حملق الرجل، فتح عينيه ونظر شديدا
(7)
(7)
(9)
سورة المائدة: 51
(10) سورة التوبة: 73، سورة التحريم: 9. (11) سورة التوبة: 1.
- 173 -